تعود قضية بيع الأراضي والعقارات في المناطق ذات الغالبية المسيحية إلى الواجهة، مع تصاعد التحذيرات من حركة شراء توصف بأنها متسارعة وغير اعتيادية، في ظل الحديث عن عروض مالية تفوق الأسعار المتداولة، وعمليات تستهدف مساحات واسعة أو عقارات متجاورة، بما يطرح علامات استفهام تتجاوز حدود الاستثمار العقاري إلى أبعاد ديموغرافية وسياسية .

تسجل "حركة الأرض" مؤشرات في مناطق بعبدات وجرود المتن و كسروان ، حيث تتحدث الحركة عن عمليات شراء منتظمة للشقق والمباني والأراضي، في مشهد يثير القلق من احتمال السعي إلى تملّك مساحات متصلة أو تكوين تجمعات عقارية داخل مناطق ذات طابع مسيحي واضح .

ولا تنطلق المخاوف من مبدأ بيع العقارات بحد ذاته، وهو حق قانوني لأصحاب الملكية، بل من نمط العمليات الموصوفة، والأسعار المطروحة، وحجم الأموال المتداولة، والجهة التي تقف وراءها. فالفارق كبير بين شراء أفراد لمنازل يحتاجون إليها، وتحرك عقاري واسع، يقوم على استهداف عقارات متجاورة وبمبالغ يصعب تفسيرها وفق الاعتبارات الاستثمارية التقليدية وحدها .

وتعود أوساط حركة الأرض إلى مسألة وجود عشرات العقارات المتلاصقة في بعبدات والسفيلة، استناداً إلى خريطة عقارية ومراجعات أولية تحدثت عن ملكيات تعود إلى أشخاص من الطائفة الشيعية، وعن نشاط سماسرة ووسطاء يبحثون عن أراضٍ في المتن ومناطق أخرى من جبل لبنان. لكن هذه المعطيات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإثبات وجود خطة سياسية موحدة أو تحديد الجهة التي تموّل عمليات الشراء .

من يموّل عمليات الشراء؟

في صلب الشبهات المطروحة يبرز اسم " حزب الله "، لكن إثبات علاقته المباشرة بهذه العمليات لا يزال يحتاج إلى أدلة تتجاوز هوية المشترين أو الانطباعات السياسية. فبحسب المعطيات، ثمة مؤشرات تستدعي التحقق، بينها ضخامة المبالغ، وتكرار عمليات الشراء، بالإضافة إلى طائفة المشتري، فجميعهم من الطائفة الشيعية، هذا عدا أن "حزب الله" معروف بطريقة دخوله إلى أماكن تختلف عن بيئته بطريقة شراء الشقق والعقارات، إلا أن هذه المؤشرات لا تثبت، بمفردها، أن الحزب هو المشتري أو المموّل، ولا تسمح بالجزم بوجود قرار تنظيمي مركزي للاستحواذ على أراضٍ في المناطق المسيحية .

وتزداد حساسية الملف مع الحديث عن عروض لشراء أراضٍ في الجنوب، في ظل الحرب وتداعياتها، والضغوط التي يتعرض لها أصحاب الملكيات والخوف من تجدد المواجهات. وتفيد المعطيات المتداولة بوجود عملية بيع لمساحة تبلغ نحو 150 ألف متر مربع بسعر مرتفع جداً، وهي واقعة تستدعي التحقق من موقع العقار، وقيمة الصفقة، وهوية المشتري ومصدر الأموال، قبل استخلاص أي استنتاج سياسي منها .

فالخطر لا يكمن في أن يبيع مواطن أرضه أو أن يشتري آخر عقاراً، بل في احتمال استغلال الأزمات الاقتصادية والأمنية لدفع أصحاب الملكيات إلى البيع، أو تنفيذ عمليات واسعة لا تتضح خلفياتها ومصادر تمويلها. ومن هنا، تصبح الشفافية في تسجيل الملكيات وتحديد المستفيدين الفعليين من الصفقات ضرورة لحماية الحقوق ومنع تحوّل الشبهات إلى وقائع يصعب معالجتها لاحقاً .

غياب السياسة عن ملف يتجاوز العقار

في المقابل، لا يبدو أن القوى السياسية المسيحية تتعامل مع القضية بالجدية التي تفرضها حساسيتها. فبدلاً من الاكتفاء بإطلاق التحذيرات أو توظيفها في السجالات الطائفية، يفترض بالنواب والبلديات والمرجعيات المعنية المطالبة ببيانات واضحة عن حجم البيوعات، ومقارنتها بحركة السوق الطبيعية، والتحقق من الصفقات الكبيرة والمتكررة، ضمن الأطر القانونية التي تحمي حق الملكية ولا تميّز بين المواطنين على أساس طائفي .

في المحصلة، لا يكفي القول إن "حزب الله "يقف وراء حركة الشراء، كما لا يجوز تجاهل المؤشرات التي تثير القلق. المطلوب نقل القضية من دائرة التخمين إلى دائرة الوقائع: خرائط عقارية موثقة، وأرقام عن البيوعات، وهويات المالكين والمستفيدين الفعليين، ومصادر تمويل الصفقات الاستثنائية. أما استمرار الصمت السياسي، فيترك المجال مفتوحاً أمام الشائعات من جهة، وأمام احتمال تفويت فرصة التحقق من تحولات عقارية قد تكون لها انعكاسات طويلة الأمد على طبيعة البلدات وتوازناتها .