افتتاح معرض بيروت للكتاب... سلام: استعادة سيادة الدولة تقتضي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي (صور)
أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ، اليوم الجمعة خلال افتتاح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، "أننا نلتقي في زمنٍ تتلاحق فيه الأخبار، وتتدفق الصور والمعلومات، وتتسارع التحولات التكنولوجية إلى حدّ بات معه الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج نصوص في ثوانٍ، فيما نحن هنا، نحتفي بكتاب لا يزال يحتاج إلى وقت كي يُكتب ويُقرأ، وإلى تأمّل كي يُفهم".
وقال في كلمة له: "التكنولوجيا تستطيع أن تضع بين أيدينا ملايين المعلومات، لكنها لا تعفينا من مسؤولية التفكير، ولا تستطيع أن تحل مكان الضمير الإنساني والخيال المبدع"، مضيفاً: "لقد كانت بيروت ، لعقود طويلة، أكثر من مدينة تطبع الكتب. كانت مساحة تتلاقى فيها الأفكار، وتعبرها اللغات، ويجد فيها كتّاب ومفكرون عرب منابر لم تكن متاحة لهم في بلدانهم".
واعتبر سلام أنه "لم تكن ريادتها في عدد المطابع ودور النشر وحده، بل في مناخ الحرية والانفتاح الذي أتاح للكلمة أن تصل، وللأفكار أن تتلاقح، وللاختلاف أن يجد مكاناً له"، قائلاً: "فلم تكن مصادفة أن تختار اليونسكو بيروت عاصمة عالمية للكتاب عام 2009، وأن تكرسها مدينة مبدعة للأدب عام 2019".
وتابع في كلمته: "حين ننظر إلى حركة الكتاب في لبنان اليوم، نجد صورة تجمع بين الصعوبات ومظاهر الحيوية. هناك دور نشر تواجه أعباء كبيرة، ومكتبات تكافح للاستمرار. لكن هناك أيضاً إصدارات جديدة، ومبادرات ثقافية، وشباب يكتبون ويقرأون، ومعارض لا تزال تستقطب جمهوراً واسعاً".
مصدر الصورة
النهضة الشاملة
إلى ذلك، رأى سلام أن "الحديث عن النهضة الثقافية يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن النهضة الشاملة التي يحتاج إليها لبنان"، مضيفاً: "فبلدنا لا يحتاج إلى إعادة إعمار ما تهدّم فحسب، بل إلى إعادة التفكير في الكثير مما أوصله إلى ما هو عليه".
وأضاف: "ولا يكفي أن نعيد بناء بعض مؤسسات الدولة، بل علينا أن نعيد الاعتبار إلى مفهوم الدولة نفسه، وإلى مكانتها في وجدان اللبنانيين، وفي علاقتهم بعضهم ببعض، وفي نظرتهم إلى حقوقهم وواجباتهم"، متابعاً: "ولا يكفي أن نضع قوانين جديدة إذا استمرينا في التعامل مع القانون بوصفه قابلاً للاستثناء، أو مع المؤسسات بوصفها أدوات لخدمة المصالح الخاصة، أو مع المواطنة بوصفها انتماءً يأتي بعد الانتماءات الأخرى".
ولفت سلام إلى أن "النهضة التي يحتاج إليها لبنان ليست مجرد مشروع اقتصادي أو إداري أو عمراني. إنها أيضاً نهضة في الفكر السياسي، وفي الثقافة الوطنية، وفي مفهوم المسؤولية العامة"، موضحاً أن "نهضة تعيد الاعتبار إلى العقل في مواجهة التعصّب، وإلى المعرفة في مواجهة التضليل، وإلى الحوار في مواجهة التخوين، وإلى المواطنة في مواجهة الانقسامات".
وأضاف: "نهضة تدفعنا إلى مراجعة المسلّمات التي قيّدت تفكيرنا، والممارسات التي أضعفت مؤسساتنا، والتسويات التي أجّلت المشكلات بدل أن تحلّها"، قائلاً: "فليس المطلوب أن نغيّر بعض الأشخاص فحسب، بل أن نغيّر أيضاً الكثير من القواعد والممارسات التي حكمت حياتنا العامة، وأن نتجاوز التسليم بمنطق إدارة الأزمات إلى فعل بناء الدولة".
وشدد سلام على أن "هذه ليست دعوة إلى القطيعة مع تاريخنا، بل إلى امتلاك الشجاعة لمراجعته، والتعلّم من تجاربنا، والتوقف عن تكرار أخطائنا".
مسارات مترابطة
وتابع في كلمته: "لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة للحروب والأزمات المتعاقبة. خسروا أرواحاً وأرزاقاً وبيوتاً ومدّخرات، وخسر كثير من شبابنا الثقة بقدرتهم على بناء مستقبلهم في وطنهم"، مشيراً إلى أن "اليوم، ونحن نعمل على استعادة قرار الدولة وسلطتها على كامل اراضيها، وإطلاق الإصلاحات اللازمة للنهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار، فإننا ندرك أن هذه المسارات مترابطة، وأن النجاح في أحدها لا يغني عن التقدم في المسارات الأخرى".
وأوضح سلام أنه "فلا اقتصاد قابلاً للنهوض من دون إصلاح وثقة ومساءلة، ولا إعادة إعمار مستدامة من دون أمن واستقرار، ولا استقرار ثابتاً من دون دولة تملك وحدها قرار الحرب والسلم، ولا دولة قادرة من دون مؤسسات فاعلة"، متابعاً: "هكذا لا يبقى مستقبل اللبنانيين رهينة قرارات لا يتخذونها عبر مؤسساتهم الدستورية، أو صراعات لا يريدونها، أو حروب لا يختارونها، بل يدفعون أثمانها مرة بعد مرة".
وشدد على أن "استعادة سيادة الدولة تقتضي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضينا، ووقف الاعتداءات، وعودة النازحين إلى بيوتهم عودة آمنة وكريمة، وإعادة إعمار قراهم ومدنهم"، مضيفاً: "فالدولة التي نريد لا تكتمل سيادتها على أرضها إذا بقيت ضعيفة أمام المصالح الفئوية والخاصة، ولا تستعيد ثقة الناس إذا لم تقم على العدالة والمساواة وسيادة القانون".
وأشار سلام إلى أن "هذه هي المهمة التي نعمل من أجلها، مدركين أن الطريق ليس سهلاً، وأن التحديات كبيرة، وأن ما تراكم خلال عقود لا يمكن معالجته بين ليلة وضحاها. لكن صعوبة المهمة لا تبرّر تأجيلها، وحجم التحديات لا يعفينا من تحمّل المسؤولية".
وقال في كلمته: "لا يمكن أن نطالب بدولة عادلة ونقبل بالمحسوبية حين تخدمنا، أو نطالب بمؤسسات قوية ثم نتجاوزها حين لا تناسبنا قراراتها، أو ندعو إلى الوحدة الوطنية فيما نواصل تغذية الانقسامات. ولا يمكن أن نبني مستقبلاً مختلفاً إذا ظللنا أسرى الأفكار نفسها التي ساهمت في إنتاج أزماتنا. وهنا بالذات تبرز أهمية النهضة الفكرية والثقافية".
وأضاف سلام: "فنحن بحاجة إلى ثقافة سياسية لا تختزل السياسة بالصراع على السلطة، بل تراها مسؤولية عن الصالح العام. وإلى ثقافة مواطنة لا تنكر تنوّع اللبنانيين، بل تجعل من الدولة إطاراً جامعاً لهذا التنوع"، متابعاً: "نحن بحاجة إلى فضاء ثقافي وإعلامي يتيح النقاش الحر، ويشجّع السؤال والمساءلة، ويواجه خطاب الكراهية والتضليل، من دون أن يخشى النقد أو يسعى إلى إسكات الأصوات المخالفة".
واعتبر أن "النهضة الفكرية ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد الإصلاح السياسي والاقتصادي. إنها أحد شروط نجاح هذا الإصلاح واستدامته... وهنا لا أريد أن أحمّل الثقافة والكتاب أكثر مما يحتملان".
وقال سلام: "فلا كتاب يوقف حرباً بمفرده، ولا رواية تعيد إعمار قرية، ولا قصيدة تصلح اقتصاداً. لكن الأفكار تصنع الخيارات، والخيارات ترسم مصائر الشعوب. ولذلك، فإن معركتنا من أجل النهوض بلبنان لا تنفصل عن معركتنا ضد الجهل والتعصّب والانغلاق، وعن سعينا إلى ترسيخ التفكير الحر والمسؤول، وإلى توسيع المساحات المشتركة بين اللبنانيين".
مصدر الصورة
لا نهضة حقيقية من دون فكر حر
إلى ذلك، أضاف: "إنني أتطلع إلى أن تستعيد بيروت مكانتها في صناعة الكتاب، لا باعتبارها مجرد امتداد لماضٍ مجيد، بل بوصفها مركزاً متجدداً للإبداع والترجمة والنشر والحوار"، متابعاً: "وأتطلع إلى أن يكون هذا المعرض أكثر من مناسبة سنوية لعرض الكتب وبيعها؛ أن يكون مساحة للقاء بين الأجيال والأفكار، ومنبراً لأسئلة جديدة، ومحفّزاً لمبادرات تبقي القراءة والمعرفة حاضرتين في حياتنا على مدار السنة".
وقال سلام: "وأحيّي القائمين على المعرض، والناشرين والكتّاب والمترجمين والمحررين وأصحاب المكتبات، وكل الذين يحافظون على هذه الحياة الثقافية رغم الصعوبات"، مشدداً على "أننا نحن اليوم أمام فرصة لكي ننتقل من مجرد السعي إلى استعادة ما خسرناه، إلى العمل على بناء ما نريده لمستقبلنا".
وأكد أن "النهضة التي نريد لا يمكن أن تكون مشروع حكومة وحدها، ولا مسؤولية فئة دون أخرى. إنها مسؤولية وطنية جامعة، يلتقي فيها دور الدولة مع دور الجامعات والمدارس والمؤسسات الثقافية والمجتمع المدني، ومع إرادة اللبنانيين أنفسهم"، لافتاً إلى أن "لبنان الذي نريد استعادة سيادته وبناء دولته وإعمار أرضه يحتاج أيضاً إلى أن يستعيد ثقته بعقله، وبطاقاته، وبقدرته على التغيير".
وتابع سلام: "قد تتعب هذه المدينة، وقد تنزف، وقد يثقل الحزن قلبها، لكنها لا تستسلم، ولا تفقد ذاكرتها، ولا تتخلى عن رسالتها"، لافتاً إلى أن "بيروت التي تقرأ لا تموت، وبيروت التي تكتب لا تُهزم، وبيروت التي تفتح أبوابها للكتاب ستبقى، كما كانت دائماً، مدينةً للحياة، وعاصمةً للكلمة الحرة، ومنارةً عربيةً لا تنطفئ".
وأضاف: "ولتكن أيام المعرض مساحة أمل وسط الركام، ورسالة إلى العالم بأن بيروت، مهما اشتدت عليها المحن، ستبقى تطبع الكتاب، وتحتضن المبدعين، وتضيء شمعة المعرفة في وجه عواصف الجهل والحرب"، خاتماً بالقول: "فلا نهضة حقيقية من دون فكر حر، ولا دولة قوية من دون مواطنين أحرار، ولا وطن ينهض إذا فقد أبناؤه القدرة على أن يتخيّلوا له مستقبلاً أفضل".
تصوير نبيل اسماعيل