حين تتعرّض جماعة ما لنكبة وجودية، كما حصل عقب 7 و8 تشرين الأوّل، فإنها تصيب، في المقام الأول، الصورة التي رسمتها عن نفسها. وتغدو الهزيمة، وفق علم النفس السياسي، اختبارًا لمدى قدرتها على الانتقال من واقع إلى آخر. يتطلّب ذلك توافر شرط بنيوي، يتمثّل في مراجعة الذات، لكن هذا الأمر ليس سهلا، لأنه حين تستثمر بيئة معيّنة، على مدى سنوات طويلة، في روايات القوة والانتصار والتفوّق، يصبح الإقرار بالضعف أشد إيلامًا من الهزيمة نفسها.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة تجربتين في تاريخ لبنان السياسي: الموارنة والشيعة. ولا تعني المقارنة أن الجماعتين متماثلتان تاريخيًا أو اجتماعيًا، لكن ثمة نقطة مشتركة بينهما، وكذلك لدى الدروز، ألا وهي الحاجة المزمنة إلى حماية الخصوصية ضمن خريطة واسعة حكمتها إمبراطوريات وأكثريات أكبر عددًا وأكثر نفوذًا.

في الحالة المارونية، نشأ هذا الوعي مبكرًا في الجبال وحول الكنيسة، التي أصبحت على امتداد قرون، أحد أهم أطر التنظيم الاجتماعي والثقافي والسياسي والديني، حيث تمسّك الموارنة بآلية انتخاب بطريركهم الذي لم يستمد شرعيته من فرمانات الباب العالي. وتفرّدوا بذلك عن كل الطوائف في هذه المنطقة، وجعلوا من لبنان نفسه مركز قيادتهم الدينية وقُبلتهم الأولى، وهذه نقطة بالغة الأهمية. لماذا؟ لأن نشأة الجماعات في الشرق ارتكزت على أسس دينية أو إثنية أو لغوية، أو على تداخل بينها. ومن هنا، أسهم تمركز المرجعية الدينية للموارنة في قلب لبنان، لا خارجه، في ترسيخ ارتباط هويتهم بالكيان، وعدم انجذابهم إلى تيارات أيديولوجية عابرة لحدوده.

هنا يمكن أن نجري اختبارًا بسيطًا:

إذا كان الإنسان شيعيًا، تتعدد احتمالات انتمائه الوطني، فقد يكون لبنانيًا أو إيرانيًا أو عراقيًا أو باكستانيًا...

وإذا كان سنّيًا، قد يكون لبنانيًا أو مصريًا أو خليجيًا أو إندونيسيًا أو تركيًا...

وإذا كان أرثوذكسيًا، سيكون لبنانيًا أو سوريًا أو يونانيًا أو أوكرانيًا أو روسيًا...

أما إذا كان مارونيًا، فإن الاحتمال الأول هو أن يكون لبنانيًا، قبل سائر الاحتمالات الأخرى.

انطلاقَا من ذلك، تُرجمت هذه الفرادة الدينية إلى وعي سياسي. فالمارونية التي راكمت، على امتداد قرون، استقلالا مؤسسيًا وروحيًا، كانت أكثر استعدادًا للبحث عن إطار سياسي يحمي هذا التمايز ويحوّله إلى كيان قابل للحياة. وفي مراحل تفوقهم السياسي والديموغرافي والعسكري، لم يُنشئوا كيانًا خاصًا بهم، بل دولة تشاركية، رغم أن هذه التجربة لم تكن مثالية، إذ شاب النظام اختلالات بنيوية، لكن المبدأ هو أن الموارنة حوّلوا قوتهم إلى حساب الدولة، لا على حسابها.

أما الشيعة في لبنان، الذين امتلكوا تراثًا دينيًا وعلميًا عريقًا، ولا سيما في جبل عامل، وكانت لهم قيادات محلية وعائلات ذات نفوذ في مراحل مختلفة، فلم يحظوا، في ظل السلطنات المتعاقبة، باعتراف مذهبي مستقل. وهو ما اكتسبوه لاحقًا في إطار الدولة اللبنانية، حيث نال المذهب الجعفري اعترافًا رسميًا، ثم جاء تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ليمنح الطائفة مؤسسة مركزية مستقلة تمثلها دينيًا واجتماعيًا وسياسيًا على المستوى الوطني.

وهذا المسار ما كان ليتحقق لولا قيام الدولة اللبنانية التي يحاربها "حزب الله" انطلاقًا من اعتبارات عقائدية وسياسية. غير أن هذه الاستقلالية الدينية، التي ناضل الإمام موسى الصدر، ومن بعده الإمام محمد مهدي شمس الدين، لصونها وترجمتها لبنانيًا لا سياسيًّا فقط، تعرّضت لاحقًا لانتكاسة مع نجاح الثورة الإسلامية في إيران، إذ جعلت التبعية الدينية، الطبيعية بالنسبة إلى أتباع ولاية الفقيه، تستدرج تبعية سياسية مطلقة، مجرّدة من الشعور الوطني.

ويبرز هنا فارق جوهري في كيفية التعامل مع فائض القوة. عندما أتاحت الظروف لـ"شيعة حزب الله" (لا نقول كل الشيعة) امتلاك قدر غير مسبوق من القوة والنفوذ، لم يُحوَّل هذا الفائض إلى رصيد للدولة وتعزيز لمؤسساتها، بل إلى بناء منظومة عسكرية وأمنية وسياسية مناهضة لها.

في المقابل، كان في وسع الموارنة، عند نشأة دولة لبنان الكبير، أن يسلكوا مسارًا مشابهًا، كإنشاء قوة عقائدية مسلحة موازية للجيش اللبناني، بحجة حماية الكيان، أو ما يشبه "الحرس الثوري" في إيران.

القوة والخسارة

أمام شعور النقص أو الخسارة، لا تتعامل الجماعات، مع المتغيّرات بالطريقة نفسها. مثلًا، إذا اكتشف مواطن أن سياسة اقتصادية يؤيدها فشلت، يستطيع تغيير موقفه منها نسبيًا أو كليًّا. أما إذا قيل له إن الجماعة التي بنى عليها شعوره بالقوة، هُزمت، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيدًا ووجعًا. عندها تظهر إلى العلن، وبشكل حاد، حالات الإنكار والتبرير وإعادة تعريف معنى الانتصار والهزيمة، وتحويل الخسائر إلى دليل بطولة، أو تصوير الاعتراف بالواقع خيانة.

والمفارقة في حالة "حزب الله" أن هذا الانفصال خطير جدًّا. لماذا؟ في المجتمع السياسي، تكون القاعدة الشعبية عادةً أكثر عرضة للانجرافات العاطفية، فيما يُفترض بالنخب أن تتسم بقدر أكبر من العقلانية. لكن حين تتخبّط هذه النخبة في الهذيان والهستيريا، تصبح الحالة النفسية للجماعة شديدة المرض، إذ بدلا من أن تضطلع القيادة بمهمة إخراج جمهورها من الصدمة، تصبح هي نفسها بحاجة إليه كي يحمي "الأسطورة" التي بنت عليها شرعيتها.

ولهذا، يبدو خطاب قادة وإعلاميي محور "الممانعة" أكثر تصلّبًا وعنفًا. وهنا تبرز نقطة حساسة يكشفها علم الاجتماع السياسي: الجماعات التي تصل إلى القوة بعد تاريخ طويل من الإحساس بالتهميش، كما هي حال الشيعة، تكون أحيانًا أشد حساسية تجاه احتمال فقدانها من الجماعات التي اعتادت تداول مراحل القوة والضعف، كما هي حال الموارنة.

وفي المقارنة أيضًا، عندما خرج المسيحيون من الحرب الأهلية مهزومين، حيث انهارت مناطقهم الحرّة والمستقلة، وهُزم العماد ميشال عون ونُفي، وحُلّت "القوات اللبنانية"، بوصفها أقوى تنظيم عسكري، وسُجن قائدها سمير جعجع، وتعرّض المسيحيون للاضطهاد وكبت الحريات من قبل الدولة التي ناضلوا في سبيلها، لم تضرب البيئة المسيحية، حالات الهستيريا وإنكار الواقع كالتي نشاهدها اليوم في حالة "حزب الله". حتى يمكن القول إن كل التنظيمات العسكرية في لبنان، من أقصى اليمين المسيحي إلى أقصى اليسار، التي عانت من التخبّط والإنكار، لم تصل إلى المستوى نفسه من الهذيان والانفصال عن الواقع، الذي أصاب "شيعة الممانعة".