من خارج سياق التوقعات، يدخل رئيس مجلس النواب نبيه بري على ملف مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان ، وسط كباش سياسي - ديني مفتوح على موقع الرجل ومستقبله في هذا المنصب بعد عاصفة قضائية لم تنتهِ مفاعليها، إذ يرى المعارضون أن التمديد له كان منقوصاً وشابته عملية التفاف في المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى.

ينشغل البيت السني على مختلف مشاربه بهذه القضية، وسط مطالبة رؤساء الحكومة وفي مقدمهم الرئيس نواف سلام باجتراح مخرج لطيّ كل صفحات النقاش المفتوحة على مستوى المفتين وأركان دار الفتوى وانقساماتهم بين مؤيد للتمديد ومعارض، لجأوا إلى القضاء بغية إبطال قرار رفع السن القانونية للمفتي وحسم مصير التمديد قبيل صدور القرار النهائي لمجلس شورى الدولة وانتظار مطالعة مفوض الحكومة لدى المجلس.

ولقد فوجئت جهات عدة بدخول بري على خط المواجهة، وهو ما خلّف مساحة من الارتياح عند المؤيدين لبقاء دريان في موقعه إلى آخر يوم من ولايته في 4 نيسان 2029. وكان هذا الملف من النقاط التي ناقشها معه سلام، إلى أن انشغلت كل الجهات المعنية بالملف بكلام بري بعد رده على سؤال لـ"النهار" بأن "موقع مفتي الجمهورية هو لكل المسلمين واللبنانيين" وأن "لا أحد يفتح على حسابه".

رسالة إلى الداخل والخارج

ما قصده بري بهذا الموقف هو توجيه رسالة إلى كل من يهمه الأمر في الداخل والخارج، أن من يتولى هذا المنصب لا يمثل أهل السنة فحسب، بل الشيعة والدروز والعلويين وكل اللبنانيين، ولا سيما أن شخصيات عدة أخذت تحضّر نفسها وتقوم باتصالات وحملات انتخابية وتقديم أوراق ووعود لتحل في هذا المنصب.

وقدّم بري بحسب متابعين، مخرجاً لرؤساء الحكومة وأركان المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، مع التوقف عند بروز وجوه مرشحة ليست على مستوى الطموحات والمؤهلات المطلوبة لهذا الموقع الديني والوطني الذي يفترض بمن يشغله تقديم خطاب لا يحيد عن قواعد وحدة المسلمين وكل اللبنانيين في البلد، مع تصاعد رياح كل العواصف في الإقليم.

في غضون ذلك، ثمة من رأى أن لا مصلحة لسلام في أن تسجل عليه، وهو على رأس الحكومة، سابقة إقصاء المفتي عن موقعه، لو سلكت الأمور القضائية الطريق المرسومة لها.

وفي المقابل، ثمة من يدعو إلى عدم القفز فوق المعترضين على التمديد لدريان وكأن شيئا لم يكن، مع ملاحظة مصادر قضائية أن فريق المفتي لم يكن متجاوباً مع مجلس شورى الدولة في طلب الحصول على محضري اللجنة التشريعية التي أوصت بالتمديد، وجلسة المجلس التي أقرته. وخلّف موقف بري هذا ارتياحاً في محيط حلقة المفتي، مع التذكير بأن الرئيس فؤاد السنيورة الذي لم يكن مؤيدا للتمديد، فضلا عن الوزير السابق عمر مسقاوي وشخصيات سنية عدة، حذرت من هذا الكباش القضائي وإيقاع دار الفتوى في شباك هذه الإشكالية المفتوحة.

وإذا كانت هناك أصوات سنية لم ترحب بدخول بري على خط دار الفتوى وما يدور في بيتها الداخلي، فثمة آخرون يرون أن موقفه الأخير يأتي في الدرجة الأولى من باب عدم ترك الأمور على هذا النحو، ولا مهرب في نهايه هذا المطاف من تدخل العقلاء الذين تهمهم مصلحة البلد. وهذ ما يؤكده الوزير السابق رشيد درباس بقوله لـ"النهار" إن اهتمام بري بالملف "ينبع من الحرص الوطني العام على كرامة منصب مفتي الجمهورية ومرجعيته".