انطلاقاً من القناعة بأن دور وزارة الثقافة لا يقتصر على حماية التراث والآثار، بل يشمل أيضاً حفظ الذاكرة الوطنية، لم تعد المكتبة الوطنية في السنوات الأخيرة مجرد مساحة لحفظ الكتب والوثائق، بل تحولت إلى مساحة لاستعادة محطات من التاريخ اللبناني وفتح النقاش حولها. فبعد معرض الحرب الأهلية في ذكراها الخمسين، ومعرض انفجار مرفأ بيروت في ذكراه الخامسة، تستعيد اليوم مئوية الدستور اللبناني من خلال معرض "بين سطور الدستور"، الذي يُفتتح برعاية رئيس الحكومة نواف سلام .

"التّذكر للتفكّر"

وبهذه العبارة يختصر وزير الثقافة غسان سلامة لـ" النهار " رسالة المعرض الذي لا يكتفي باستعادة وثائق مرتبطة بمسيرة الدستور، بل يحاول تحويلها إلى مدخل لفهم الحاضر، وطرح أسئلة حول الدولة والنظام السياسي والمسافة بين النص الذي وُضع قبل مئة عام والممارسة التي عرفها لبنان طوال هذه الفترة .

وكانت الوزارة قد تحضّرت لإقامة المعرض في أيار/مايو الماضي، بالتزامن مع الذكرى المئوية، إلا أن الحرب حالت دون ذلك، لتصرّ على فتح أبوابه أمام الجمهور اعتباراً من 8 تشرين الأول/اكتوبر وحتى نهاية العام، في محاولة لنشر ثقافة دستورية، ولا سيما بين الشباب وطلاب المدارس .

مصدر الصورة
وزير الثقافة غسان سلامة (النهار)

وللمرة الأولى، ستُعرض وثائق ومقتنيات تاريخية مرتبطة بتلك المرحلة، بينها ملاحظات بخط اليد على الدستور، والنص الأساسي له، وأول علم وُقّع عليه علم الاستقلال، إلى جانب مواد جُمعت بالتعاون مع فرنسا وعائلات عايشت مرحلة الاستقلال، وأرشيف صحافي، بينها صحف فرنسية .

من الوثيقة إلى الحياة اليومية

لكن قيمة المعرض، بالنسبة إلى سلامة، لا تكمن في عرض هذه المواد كقطع تاريخية فحسب. فالهدف، كما يقول، "ليس متحفياً أو جمالياً أو تاريخياً"، بل تثقيفي، لأن الدستور هو النص الأعلى بين القوانين، ومعرفة المواطن حقوقه الدستورية جزء من علاقته بدولته ومؤسساتها .

ومن هنا، تصبح المئوية فرصة لطرح أسئلة تتجاوز المناسبة: أي دستور يناسب لبنان؟ هل لا يزال النص الحالي ملائماً؟ ولماذا لم يُحترم دائماً؟ ولماذا جرى تعديله في مراحل مختلفة، أحياناً لدواعٍ وطنية وأحياناً في سياق تسويات سياسية؟

وفي بلد يبلغ دستوره مئة عام، لا تزال الثقافة الدستورية نفسها موضع سؤال. فسلامة لا ينكر أن الدستور اللبناني "معقد"، إذ يجمع بين مواد ثابتة وأخرى انتقالية، ويترك في بعض مواده مساحة للترجمة السياسية. كما يرى أن من أبرز الثغرات المرتبطة به "استسهال تعديله"، محذراً من أن يتحول التعديل إلى أداة لمعالجة ظروف سياسية آنية بدلاً من تطوير النص وزيادة فاعليته .

بعد 100 عام... ما الذي طُبّق؟

في المقابل، يشير سلامة إلى أن حقوقاً أساسية، كحرية المعتقد والتعبير، بقيت ثابتة رغم عقود من التقلبات، معتبراً أن استمرار هذه الضمانات يمثل إحدى نقاط قوة الدستور اللبناني، مضيفاً "هذا أمر رائع واستثنائي إذ لا يزال لبنان في مجال الحريات العامة بلد يُقصد ويُحسَد على احتفاظه بهذه الميزات الدستورية على الرغم ممّا مرّ به من مصاعب".

أما المواد الانتقالية، مثل المادة 24 والمادة 95، فلا تزال تطرح سؤال الانتقال الذي لم يكتمل. وهنا يبرز جوهر المعرض: ماذا طُبّق من الدستور، وماذا بقي في مساحة النص؟

بالنسبة إلى سلامة، فإن استمرار مرحلة انتقالية من دون الانتقال إلى المرحلة التي يفترض أن تليها يضعف هيبة الدستور، ويجعل العلاقة بين النص والممارسة السياسية موضعاً دائماً للنقاش. أما تعديل الدستور، فلا يراه سلامة محرّماً، لكنّه يشدد على أن التفكير فيه يجب أن يتم "على نار باردة"، لا في لحظات الصدام والانقسام، حتى لا تصبح المصلحة السياسية الآنية هي المحرك الأساسي للتعديل .

من النص الدستوري، إلى الدولة نفسها. سلامة يرى أن السلطة تشتتت خلال العقود الماضية بين مرجعيات دستورية وأخرى نشأت خارج إطار الدستور بفعل الحروب والتدخلات والوصايات، ما أدى إلى تراجع نفوذ الدولة وهيبتها في كل القطاعات، لافتاً إلى أن "الهدف الأسمى اليوم أمام اللبنانيين هو استعادة الدولة لهذه القدرات، وهذا يتم أولاً باحترام الدستور".

وبعد "بين سطور الدستور"، لا تنتهي رحلة الوزارة مع الذاكرة الوطنية. إذ يكشف سلامة أن العمل يتجه في العام المقبل إلى معرض عن "الذكرى الخامسة والعشرين لمبادرة بيروت العربية"، في إشارة إلى القمة العربية التي أصبحت مرجعاً في مقاربة النزاع العربي-الإسرائيلي . من هنا، يشدّد وزير الثقافة على أن استعادة المحطات الكبرى ليست للوقوف عند الماضي، بل للتفكير بما يمكن أن يأتي بعده.