ميقاتي يقرأ الواقع اللبناني بواقعية... لا تسوية بلا ضمانات ولا سيادة بلا دولة
في لحظة لبنانية تختلط فيها الحسابات العسكرية بالتعقيدات السياسية، وتتصادم فيها الوعود الدولية مع الوقائع الميدانية، تكتسب مواقف الرئيس
نجيب ميقاتي أهمية تتجاوز حدود التصريح السياسي التقليدي. فهو لا يقدّم وصفة سحرية لإنهاء الأزمة، ولا يبيع اللبنانيين أوهام الحلول السريعة، بل ينطلق من قراءة واقعية لموازين القوى، ومن اقتناع بأن حماية
لبنان لا تكون بالشعارات، بل بتثبيت المرجعيات التي يمكن أن تشكّل أساساً لأي تسوية قابلة للحياة.
أبرز ما في مقاربة ميقاتي أنه لا يمنح "اتفاق الإطار" أكثر مما يحتمل، ولا يقلّل في الوقت نفسه من أهميته. فهو يرى أن الاتفاق وفرّ نوعاً من الضمانة لعدم استهداف بيروت والمرافق الأساسية أو تعطيلها، لكنه يشك في أن يقود، بصيغته الحالية، إلى حل نهائي. وهذه مقاربة تستحق التوقف عندها، لأنها تميّز بين اتفاق قد يساهم في ضبط التصعيد واحتواء مخاطره، وبين تسوية سياسية وأمنية شاملة تحتاج إلى شروط وضمانات لم تنضج بعد.
فاللبنانيون، الذين دفعوا أثماناً باهظة للحروب المتعاقبة، لا يحتاجون إلى رفع سقف التوقعات بقدر حاجتهم إلى معرفة ما الذي يستطيع أي اتفاق أن يحققه فعلياً، وما الذي يبقى معلّقاً على إرادة الأطراف وقدرتها على الالتزام. ومن هنا تأتي أهمية إصرار الرئيس ميقاتي على اتفاق الهدنة والقرار الدولي 1701 بوصفهما مرجعيتين لأي حل، مع التشديد على الوصول إلى حالة من السلم والاستقرار على الحدود، بما يضمن أمن الأراضي اللبنانية وسلامة اللبنانيين.
إن التمسك بهذه المرجعيات لا يعني تجاهل التحولات التي طرأت على الواقع اللبناني والإقليمي، بل يعني أن أي مسار جديد ينبغي ألا يتحول إلى بديل ملتبس من الالتزامات القائمة، أو إلى صيغة تتيح لكل طرف أن يختار من الاتفاقات ما يناسبه ويتجاهل ما لا يناسبه. فالمطلوب ليس إنتاج مزيد من الأوراق السياسية، بل إيجاد مسار واضح يربط وقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي ، وانتشار الجيش، وبسط سلطة الدولة، ضمن رؤية متكاملة لا تترك لبنان أسير التفسيرات المتضاربة.
وفي هذا الإطار، تبدو دعوة ميقاتي إلى الحوار مع جميع الأطراف رسالة أساسية في توقيت شديد الحساسية. فبدلاً من العودة إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤوليات، يدعو إلى البحث عن مخارج عملية. وهو يدرك، بحكم تجربته في رئاسة الحكومة، أن الأزمات اللبنانية لا تُحلّ بمجرد تسجيل النقاط السياسية، وأن أي تسوية تحتاج إلى قنوات تواصل مفتوحة وإلى استعداد متبادل لتقديم التنازلات الضرورية، من دون التفريط بالحقوق السيادية للبنان.
أما في ملف سلاح " حزب الله "، فيطرح الرئيس ميقاتي مقاربة تقوم على الربط بين معالجة هذا الملف وبين استعادة الدولة قدرتها على حماية أراضيها. فهو لا يرى أن المطالبة بانسحاب الجيش الإسرائيلي يمكن أن تبقى منفصلة عن البحث في مسألة السلاح، لكنه في الوقت نفسه لا يتعامل مع الملف باعتباره عقدة يستحيل حلها. وهذه النقطة مهمة، لأنها تفتح الباب أمام نقاش سياسي هادئ حول كيفية إنهاء ازدواجية القرار العسكري، من دون تحويل الخلاف إلى مواجهة داخلية يدفع اللبنانيون ثمنها مجدداً.
فالمطلوب هنا ليس الاكتفاء بتحديد المشكلة، بل الاتفاق على آلية لمعالجتها، وما هي الضمانات التي يحتاج إليها لبنان، وما هو الدور الذي ينبغي أن يؤديه الجيش، وكيف يمكن تثبيت الانسحاب الإسرائيلي ومنع الاعتداءات، وكيف تُدار عملية بسط سلطة الدولة بما يحفظ الاستقرار الداخلي ويمنع الانزلاق إلى صدام لبناني جديد؟ هذه الأسئلة هي التي تحتاج إلى إجابات، لا إلى مزيد من المواقف المتصلبة.
وفي المقابل، يضع ميقاتي حداً واضحاً للخلط بين الواقعية السياسية والتنازل عن الثوابت، عندما يؤكد أن السلام والتطبيع ليسا مطروحين للبنان في الظروف الراهنة، وأن أي مسار من هذا النوع يجب أن يأخذ في الاعتبار موقع لبنان ضمن محيطه العربي. ومهما اختلفت القراءات حيال ترتيب الأولويات العربية، فإن رسالته الأساسية واضحة، وهي أنه لا يمكن للبنان أن يتعامل مع ملف بهذه الخطورة وكأنه معزول عن محيطه، أو أن يتخذ قرارات استراتيجية كبرى تحت ضغط اللحظة وحدها.
ولا تقل دلالة عن ذلك مواقفه من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والحكومة برئاسة نواف سلام. فإشادته بإصرار الرئيس عون على الاستقرار والاستقلال والسيادة وتحرير الأرض وعودة النازحين، مقرونة بدعوته إلى دعم الحكومة واستمرارها، تعكس توجهاً نحو تحصين المؤسسات الدستورية في مرحلة لا يحتمل فيها لبنان فتح معارك سياسية إضافية. كما أن تأكيده متانة علاقته بسلام وصداقته القديمة معه يبعث برسالة مفادها أن الاختلاف في المقاربات، حين يقع، لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية أو مادة لتعطيل العمل الحكومي.
قد لا يتفق الجميع مع كل ما يطرحه الرئيس ميقاتي، وهذا طبيعي في بلد تتعدد فيه القراءات والمصالح. لكن ما يلفت في مواقفه هو محاولته الجمع بين التمسك بالسيادة، والواقعية في تقدير فرص التسوية، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وعدم تحويل الخلافات السياسية إلى عائق أمام المؤسسات.
فلبنان لا يحتاج اليوم إلى من يعده بحلول فورية، ولا إلى من يقنعه بأن كل اتفاق يشكل نهاية الأزمة. إنه يحتاج إلى مقاربة تعرف حدود الممكن، وتتمسك بالحقوق، وتفتح أبواب التفاوض، وتمنع في الوقت نفسه انهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة.
وهذه هي الرسالة الأهم في مواقف ميقاتي، إذ لا يكفي أن يطالب لبنان بتحرير أرضه واستعادة سيادته، بل عليه أن يسلك الطريق الذي يحقق هذين الهدفين من دون أن يعرّض استقراره الداخلي لمخاطر جديدة. فالسيادة لا تُحمى بالشعارات وحدها، والاستقرار لا يُبنى على الأوهام، والتسوية التي لا تستند إلى ضمانات واضحة تبقى عرضة للاهتزاز عند أول اختبار.
أبرز ما في مقاربة ميقاتي أنه لا يمنح "اتفاق الإطار" أكثر مما يحتمل، ولا يقلّل في الوقت نفسه من أهميته. فهو يرى أن الاتفاق وفرّ نوعاً من الضمانة لعدم استهداف بيروت والمرافق الأساسية أو تعطيلها، لكنه يشك في أن يقود، بصيغته الحالية، إلى حل نهائي. وهذه مقاربة تستحق التوقف عندها، لأنها تميّز بين اتفاق قد يساهم في ضبط التصعيد واحتواء مخاطره، وبين تسوية سياسية وأمنية شاملة تحتاج إلى شروط وضمانات لم تنضج بعد.
فاللبنانيون، الذين دفعوا أثماناً باهظة للحروب المتعاقبة، لا يحتاجون إلى رفع سقف التوقعات بقدر حاجتهم إلى معرفة ما الذي يستطيع أي اتفاق أن يحققه فعلياً، وما الذي يبقى معلّقاً على إرادة الأطراف وقدرتها على الالتزام. ومن هنا تأتي أهمية إصرار الرئيس ميقاتي على اتفاق الهدنة والقرار الدولي 1701 بوصفهما مرجعيتين لأي حل، مع التشديد على الوصول إلى حالة من السلم والاستقرار على الحدود، بما يضمن أمن الأراضي اللبنانية وسلامة اللبنانيين.
إن التمسك بهذه المرجعيات لا يعني تجاهل التحولات التي طرأت على الواقع اللبناني والإقليمي، بل يعني أن أي مسار جديد ينبغي ألا يتحول إلى بديل ملتبس من الالتزامات القائمة، أو إلى صيغة تتيح لكل طرف أن يختار من الاتفاقات ما يناسبه ويتجاهل ما لا يناسبه. فالمطلوب ليس إنتاج مزيد من الأوراق السياسية، بل إيجاد مسار واضح يربط وقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي ، وانتشار الجيش، وبسط سلطة الدولة، ضمن رؤية متكاملة لا تترك لبنان أسير التفسيرات المتضاربة.
وفي هذا الإطار، تبدو دعوة ميقاتي إلى الحوار مع جميع الأطراف رسالة أساسية في توقيت شديد الحساسية. فبدلاً من العودة إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤوليات، يدعو إلى البحث عن مخارج عملية. وهو يدرك، بحكم تجربته في رئاسة الحكومة، أن الأزمات اللبنانية لا تُحلّ بمجرد تسجيل النقاط السياسية، وأن أي تسوية تحتاج إلى قنوات تواصل مفتوحة وإلى استعداد متبادل لتقديم التنازلات الضرورية، من دون التفريط بالحقوق السيادية للبنان.
أما في ملف سلاح " حزب الله "، فيطرح الرئيس ميقاتي مقاربة تقوم على الربط بين معالجة هذا الملف وبين استعادة الدولة قدرتها على حماية أراضيها. فهو لا يرى أن المطالبة بانسحاب الجيش الإسرائيلي يمكن أن تبقى منفصلة عن البحث في مسألة السلاح، لكنه في الوقت نفسه لا يتعامل مع الملف باعتباره عقدة يستحيل حلها. وهذه النقطة مهمة، لأنها تفتح الباب أمام نقاش سياسي هادئ حول كيفية إنهاء ازدواجية القرار العسكري، من دون تحويل الخلاف إلى مواجهة داخلية يدفع اللبنانيون ثمنها مجدداً.
فالمطلوب هنا ليس الاكتفاء بتحديد المشكلة، بل الاتفاق على آلية لمعالجتها، وما هي الضمانات التي يحتاج إليها لبنان، وما هو الدور الذي ينبغي أن يؤديه الجيش، وكيف يمكن تثبيت الانسحاب الإسرائيلي ومنع الاعتداءات، وكيف تُدار عملية بسط سلطة الدولة بما يحفظ الاستقرار الداخلي ويمنع الانزلاق إلى صدام لبناني جديد؟ هذه الأسئلة هي التي تحتاج إلى إجابات، لا إلى مزيد من المواقف المتصلبة.
وفي المقابل، يضع ميقاتي حداً واضحاً للخلط بين الواقعية السياسية والتنازل عن الثوابت، عندما يؤكد أن السلام والتطبيع ليسا مطروحين للبنان في الظروف الراهنة، وأن أي مسار من هذا النوع يجب أن يأخذ في الاعتبار موقع لبنان ضمن محيطه العربي. ومهما اختلفت القراءات حيال ترتيب الأولويات العربية، فإن رسالته الأساسية واضحة، وهي أنه لا يمكن للبنان أن يتعامل مع ملف بهذه الخطورة وكأنه معزول عن محيطه، أو أن يتخذ قرارات استراتيجية كبرى تحت ضغط اللحظة وحدها.
ولا تقل دلالة عن ذلك مواقفه من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والحكومة برئاسة نواف سلام. فإشادته بإصرار الرئيس عون على الاستقرار والاستقلال والسيادة وتحرير الأرض وعودة النازحين، مقرونة بدعوته إلى دعم الحكومة واستمرارها، تعكس توجهاً نحو تحصين المؤسسات الدستورية في مرحلة لا يحتمل فيها لبنان فتح معارك سياسية إضافية. كما أن تأكيده متانة علاقته بسلام وصداقته القديمة معه يبعث برسالة مفادها أن الاختلاف في المقاربات، حين يقع، لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية أو مادة لتعطيل العمل الحكومي.
قد لا يتفق الجميع مع كل ما يطرحه الرئيس ميقاتي، وهذا طبيعي في بلد تتعدد فيه القراءات والمصالح. لكن ما يلفت في مواقفه هو محاولته الجمع بين التمسك بالسيادة، والواقعية في تقدير فرص التسوية، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وعدم تحويل الخلافات السياسية إلى عائق أمام المؤسسات.
فلبنان لا يحتاج اليوم إلى من يعده بحلول فورية، ولا إلى من يقنعه بأن كل اتفاق يشكل نهاية الأزمة. إنه يحتاج إلى مقاربة تعرف حدود الممكن، وتتمسك بالحقوق، وتفتح أبواب التفاوض، وتمنع في الوقت نفسه انهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة.
وهذه هي الرسالة الأهم في مواقف ميقاتي، إذ لا يكفي أن يطالب لبنان بتحرير أرضه واستعادة سيادته، بل عليه أن يسلك الطريق الذي يحقق هذين الهدفين من دون أن يعرّض استقراره الداخلي لمخاطر جديدة. فالسيادة لا تُحمى بالشعارات وحدها، والاستقرار لا يُبنى على الأوهام، والتسوية التي لا تستند إلى ضمانات واضحة تبقى عرضة للاهتزاز عند أول اختبار.