أرقام كارثية و'كابوس مستمر' لأطفال لبنان وشبابه... اليونيسيف لـ'النهار': يحتاجون إلى الاستقرار والتعليم والحماية
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية والحرب والنزوح، يدفع أطفال لبنان ثمناً متزايداً يطاول تعليمهم وصحتهم الجسدية والنفسية، فيما تكافح أربع من كل خمس أسر لتأمين احتياجاتها الأساسية. واقعٌ لمسته المديرة التنفيذية لليونيسف كاثرين راسل خلال زيارتها لبنان، محذّرةً في مقابلة خاصة مع "النهار" من أن الأطفال بحاجة، قبل أيّ شيء، إلى استعادة الاستقرار في حياتهم.
اختتمت راسل زيارتها لبنان في 2 تشرين الأول/أكتوبر، بعدما جالت في الجنوب و بيروت والتقت أطفالاً وعائلات نازحة والرئيس اللبناني جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، فيما تكشف أحدث أرقام اليونيسف حجم التداعيات التي تركتها الأزمة والنزاع على جيل كامل.
وتقول راسل لـ"النهار" إن ما شاهدته في الجنوب يعكس تراكم أزمات عاشها الأطفال خلال السنوات الماضية: "لقد نزح العديد من الأطفال ونزحت أسرهم، وبعضهم نزح مرات عدة"، مشيرة إلى أن ذلك يأتي فوق تداعيات الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا وغيرها من الأزمات.
ورغم أنها رأت لدى الأطفال "قدرة كبيرة على الصمود"، تشدد على أنهم يحتاجون إلى الدعم والعودة إلى المدارس والحصول على رعاية صحية لائقة.
أربع من كل خمس أسر تكافح
الأرقام التي نشرتها اليونيسف ترسم صورة أكثر وضوحاً لحجم الأزمة. فوفق تقريرها الجديد "كابوس مستمر"، تكافح أربع من كل خمس أسر في لبنان لتغطية كلفة احتياجاتها الأساسية.
وأفادت 22% من الأسر بأن أطفالها ذهبوا إلى الفراش جائعين، فيما لا تتمكن سوى 10% من الأسر التي لديها أطفال دون الخامسة من توفير نظام غذائي متنوّع بما يكفي. كذلك، قالت 31% إن أطفالها لم يحصلوا على الرعاية الصحية التي احتاجوا إليها، فيما أفادت 14% بأن لديها طفلاً واحداً على الأقل منخرطاً في سوق العمل، أي أكثر من ضعف النسبة المسجلة في كانون الثاني/يناير 2025.
أما الحرب، فضاعفت الضغوط. فمنذ 2 آذار/مارس 2026، قُتل ما لا يقل عن 261 طفلاً وأصيب 1056، بمعدل سبعة أطفال قتلى أو مصابين يومياً على مدى ستة أشهر، فيما يُقدّر أن 12% من الأطفال المصابين باتوا يعيشون مع إعاقة دائمة.
مصدر الصورة
التعليم... خسارة أخرى
ترى راسل أن أحد أكثر التحديات إلحاحاً اليوم هو إعادة قدر من الحياة الطبيعية إلى الأطفال. وتقول لـ"النهار": "في ظل النزاع، تكون حياة الأطفال غير مستقرة للغاية"، إذ يضطر كثيرون إلى الانتقال مراراً، وترك مدارسهم وبيئاتهم المعتادة، فيما تتعطل أحياناً الرعاية الصحية التي يحصلون عليها.
وتروي أنها التقت في صور عائلات تقيم داخل مدرسة ، لكل منها غرفة صفّ تعيش فيها. وتقول: "هذه ليست بيئة طبيعية للأطفال"، مشددة على أهمية استعادة الاستقرار وإبقائهم في المدرسة وتأمين التغذية السليمة لهم.
وتؤكد الأرقام حجم الخطر على التعليم. فقد تضررت أو دُمّرت نحو 436 مدرسة، ما يعرّض نحو 100 ألف طفل لخطر عدم توفر صفّ دراسي لهم. واضطرت 46% من الأسر إلى خفض الإنفاق على التعليم، فيما قالت 17% إن أطفالها توقفوا عن الذهاب إلى المدرسة. وحتى بين من لا يزالون على مقاعد الدراسة، لم يتمكن 29% من التعلّم بالشكل المتوقع، وغالباً بسبب صعوبة التركيز والضائقة النفسية.
770 ألف طفل يعانون ضائقة نفسية
لا تتوقف الخسائر عند التعليم. فتقديرات اليونيسف تشير إلى أن نحو 770 ألف طفل عانوا من ضائقة نفسية خلال الأشهر الستة الماضية، فيما قالت أكثر من نصف الأسر إن الرفاه النفسي لأطفالها تدهور، وأفادت 63% بأن أطفالها يشعرون بالقلق أو التوتر.
وتقول راسل إن الخوف والنزوح والاضطراب تترك آثاراً شديدة على الأطفال، خصوصاً عندما يشعرون بخوف والديهم أو يضطرون إلى التنقل باستمرار.
وتستعيد خلال حديثها لـ"النهار" قصة زينب، وهي طفلة في الثانية عشرة التقتها خلال جولتها، كانت تعاني أصلاً مشكلات في الصحة النفسية قبل أن تضطر إلى النزوح من منزلها والعيش في مدرسة. وأصبح على عائلتها، إلى جانب التعامل مع النزوح ، محاولة تأمين التعليم المتخصص والدعم الذي تحتاج إليه ابنتهم.
جيل الشباب... نصفه يفكّر في الهجرة
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الأطفال، إذ يواجه الشباب في لبنان بدورهم صعوبة متزايدة في مواصلة تعليمهم ودخول سوق العمل والحصول على الخدمات الأساسية. فبحسب تقييم لليونيسف شمل شباباً تراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً، كان 22% فقط منهم يتابعون دراستهم في مدرسة أو جامعة فيما كان 67% منهم خارج سوق العمل عند إجراء الاستطلاع. و64% ممّن كانوا بحاجة إلى رعاية صحية لم يسعوا للحصول عليها. وأمام هذا الواقع، قال أكثر من نصف الشباب، أي 51%، إنهم يعتزمون الهجرة.
وتضيف أن الهدف في النهاية هو أن يكون الأطفال "أصحّاء ومتعلمين" وأن يمتلكوا المهارات التي تتيح لهم دخول سوق العمل، معتبرة أن لبنان يمتلك إمكانات كبيرة وسكاناً يتمتعون بمستوى تعليمي مرتفع.
التمويل يتراجع
لكن اتساع الاحتياجات يتزامن مع تراجع الموارد الدولية. وتقرّ راسل لـ"النهار" بأن اليونيسف تحتاج إلى "المزيد" من الموارد، مشيرة إلى أن التمويل الحكومي الذي تعتمد عليه المنظمة بات أقل مما كان عليه سابقاً.
وتقول إن الولايات المتحدة والجهات المانحة الأوروبية خفضت مساعداتها الإنمائية "كثيراً"، ما أجبر اليونيسف على اتخاذ قرارات صعبة، من بينها تقليص عدد موظفيها، فيما تحاول المنظمة حشد مزيد من التمويل من القطاع الخاص.
وبعد جولة شملت الأردن و سوريا و لبنان ، تختصر راسل رسالتها إلى قادة المنطقة والمجتمع الدولي بضرورة إبقاء الأطفال "في صميم" الأولويات، وتأمين الحماية والصحة والتعليم لهم.
أما رسالتها إلى أطفال لبنان وشبابه عبر "النهار"، فتقول فيها: "ابذلوا قصارى جهدكم، اعملوا بجد، ابذلوا قصارى جهدكم لتكونوا طلاباً مجتهدين وأفراداً صالحين في المجتمع".
وتختم: "الأطفال هم مفتاح المستقبل. علينا فقط أن نضمن حصولهم على الفرص التي يستحقونها".