نشر موقع "Middle East Monitor" البريطاني تقريراً جديداً تناول التحولات التي يشهدها " حزب الله " بعد الحرب، معتبراً أن الاستراتيجية الإيرانية تجاه الحزب قد لا تركز على استعادة قوته العسكرية السابقة بقدر ما تستهدف بناء تنظيم أكثر قدرة على الصمود والتكيّف والاستمرار.

وبحسب التقرير الذي ترجمهُ "لبنان24"، أرسلت إيران في الأول من تشرين الأول وفداً رفيعاً إلى جنوب لبنان ، ضم العميد حسين يكتا، وهو ضابط في الحرس الثوري الإيراني ارتبط عمله بمجالات التجنيد والتعبئة العقائدية، إلى جانب رجل الدين علي رضا بناهيان.


وأشار التقرير إلى أن الرجلين خدما سابقاً في الكتيبة نفسها التي خدم فيها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي خلال الحرب الإيرانية–العراقية.

ويرى الموقع أن تركيبة الوفد تحمل دلالات تتجاوز الملف العسكري، إذ إنه لو كانت أولوية طهران تقتصر على تزويد "حزب الله" بالسلاح، لكان من الممكن إرسال خبراء عسكريين أو مسؤولين لوجستيين. لكن اختيار شخصيات مرتبطة بالتجنيد والتعبئة العقائدية والأمن الداخلي قد يشير، وفق التقرير، إلى اهتمام إيراني بإعادة ترميم البنية التنظيمية والبشرية للحزب.

وشدد التقرير على أن ذلك لا يثبت وجود مهمة محددة لإعادة بناء "حزب الله"، لكنه اعتبر أن توقيت الزيارة وطبيعة الشخصيات المشاركة فيها يوحيان بأن طهران تنظر إلى ما هو أبعد من تعويض مخزون السلاح.

ووفق التقرير، كشفت الحروب الأخيرة نقاط ضعف النموذج العسكري السابق لـ"حزب الله"، بعد خسارة قيادات بارزة وتعرض بنى تحتية ومخزونات عسكرية لضربات، إلى جانب الضغوط السياسية المتزايدة.

ويشير تحليل الموقع، استناداً إلى بيانات "ACLED"، إلى تحول في أسلوب الحزب نحو حرب الاستنزاف والعمل ضمن مجموعات أصغر، مع الاعتماد على مواقع إطلاق موزعة والمسيّرات والصواريخ الموجهة والهجمات الصاروخية الانتقائية، بدلاً من التشكيلات الكبيرة والمواجهات المباشرة المستمرة.

وبين آذار وتموز 2026، شكلت الاشتباكات المسلحة المباشرة 11% فقط من التفاعلات المسجلة لـ"حزب الله" في لبنان، مقارنة بـ34% خلال الاجتياح البري في تشرين الأول وتشرين الثاني 2024. في المقابل، ارتفعت نسبة استخدام المسيّرات الانتحارية من 6% إلى 24%، فيما شكلت مسيّرات FPV المرتبطة بالألياف الضوئية 21% من الهجمات المسجلة.

ويرى التقرير أن هذه الأرقام تعكس تحولاً تنظيمياً أيضاً، إذ تصبح الشبكات الصغيرة والموزعة أقل عرضة للتفكيك الكامل وأكثر قدرة على امتصاص الخسائر والعمل باستقلالية وإعادة تشكيل نفسها بعد الضربات.

ولا تقتصر المسألة، وفق التقرير، على الجانب العسكري، فإيران قد تكون معنية أيضاً بالحفاظ على البيئة السياسية والاجتماعية التي يستند إليها "حزب الله"، بما يشمل المؤسسات الاجتماعية والدينية وشبكات الخدمات والتمويل والحضور المحلي.

وفي هذا السياق، توقف التقرير عند إعلان الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم، في 27 أيلول، مساهمة الحزب في مشروع إسكان للنازحين اللبنانيين، بمن فيهم أبناء القرى التي دمرت بالكامل.

ويعتبر الموقع أن ملف إعادة الإعمار يحمل أهمية سياسية إلى جانب بعده الإنساني، لأن مساعدة السكان على العودة وإصلاح المنازل وتأمين الإيواء قد تساهم في الحفاظ على حضور الحزب داخل بيئته الاجتماعية.

وهنا، بحسب التقرير، تظهر منافسة أخرى إلى جانب ملف السلاح: من سيتولى إدارة مرحلة ما بعد الحرب وإعادة إعمار الجنوب، الدولة اللبنانية أم القوى غير الحكومية؟

ويرى التقرير أن إيران لا تحتاج بالضرورة إلى إعادة "حزب الله" إلى مستوى القوة الذي بلغه سابقاً، بقدر حاجتها إلى منع تحوله إلى قوة هامشية. وبمعنى آخر، يمكن لطهران التعايش مع حزب أصغر حجماً وأقل انخراطاً في المواجهات الكبرى، شرط أن يحتفظ بتماسكه التنظيمي وقاعدته الاجتماعية وقدرته على إعادة بناء نفسه.

لكن هذه الاستراتيجية تواجه معضلة، وفق الموقع، إذ أنه كلما ازداد التدخل الإيراني المباشر، ازدادت صعوبة تقديم "حزب الله" باعتباره حركة لبنانية مستقلة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية لتعزيز سلطة الدولة على الملفات الأمنية والسياسة الخارجية.

ويضاف إلى ذلك التحدي السوري، بعدما أشار التقرير، نقلاً عن "رويترز"، إلى محادثات سرية بين مسؤولين من "حزب الله" وسوريا في تركيا خلال أيلول، تناولت عمليات التهريب عبر الحدود ونشاط الحزب داخل سوريا .

ومع تراجع موثوقية الطريق السوري الذي شكل تاريخياً ممراً أساسياً بين إيران و"حزب الله"، قد تصبح عملية إعادة بناء قدرات الحزب أكثر تعقيداً وكلفة.

ويخلص "Middle East Monitor" إلى أن النموذج الذي قد تعمل إيران على ترسيخه يقوم على أسلحة أصغر حجماً، وشبكات موزعة، وتجنيد محلي، وحضور سياسي واجتماعي، بدلاً من العودة بالضرورة إلى نموذج القوة العسكرية المركزية السابقة.

وبحسب قراءة الموقع، قد يصبح الهدف الإيراني الأساسي إبقاء "حزب الله" قادراً على العمل والاحتفاظ بشبكاته وقاعدته الاجتماعية وبقدر من القوة العسكرية يسمح له بفرض كلفة في أي مواجهة مستقبلية.

ومن هنا، يعتبر التقرير أن نجاح الاستراتيجية الإيرانية لا يُقاس فقط بعدد الصواريخ أو المقاتلين الذين يستطيع "حزب الله" حشدهم، بل بقدرته على البقاء وإعادة إنتاج نفسه بعد الضربات.

ويختصر التقرير هذا التحول بفكرة أساسية وهي أنَّ طهران لا تحتاج بالضرورة إلى أن ينتصر "حزب الله" في الحرب المقبلة، بل إلى أن يكون قادراً على النجاة منها.