النهضة تُعاش بالإيمان وتُثمر في الحياة
انخرطتُ في حركة الشبيبة الأرثوذكسية في ثمانينيات القرن الماضي، تعمّقتُ في مبادئها، وارتويتُ بشغف وقناعة من ينابيع مؤسّسيها وفكرهم الروحي والنهضوي.
لم تكن المبادئ بالنسبة إليّ كلماتٍ مرصوفة أو حروفًا تُتلى. كانت وما زالت نبض حياةٍ اختبرتها في وجوه إخوة عاشوا هذه المبادئ بقناعة راسخة والتزام كامل، فتحوّلوا في حياتي إلى أيقونات حيّة تمشي بين الناس. ومن خلالهم هبّت في داخلي روح النهضة التي أطلقها في العام ١٩٤٢ نفرٌ من الشباب، وفي مقدّمهم المطران جورج خضر.
ولمستُ، من خلال انتمائي إلى هذه الحركة المباركة، صدق الذين انتسبوا إلى صفوفها؛ أولئك الذين، بعدما نهلوا من تعاليم الكنيسة وداوموا على فروضهم الدينية، لم يكتفوا بمعرفة الكلمة، بل بادروا إلى عيشها بأمانة، والتعمّق في تعاليمها، ثم نشرها بين الناس. وقد اكتسبوا قوة الإيمان من خلال الصلاة، وممارسة الأسرار، ومعاشرة الكتاب المقدس، فغدا ما يؤمنون به سلوكًا يوميًا وشهادةً حيّة.
أشكر الله على نعمه الباسطة على كنيسته، من خلال شابات وشبان أدركوا أن الكنيسة ملجأ أمين من كل شرّ يعبث بعالمنا، ومكانٌ يجد فيه الإنسان معنى وجوده ورجاءه. وما شهدناه خلال زيارة الحبر الأعظم إلى فرنسا كان خير دليل على وعي شريحة واسعة من الشباب لأهمية الحياة الروحية المسيحية. وكذلك الإقبال المتزايد من الشباب على دراسة اللاهوت في الولايات المتحدة، وهو أمر أكّده لي رئيس دار العلم الأنطاكي، الأب ميشال نجم، في أبرشية نيويورك وأميركا الشمالية للكنيسة الأنطاكية الأرثوذكسية.
إن أخلاق شبيبة الكنائس لا تُختصر في النشاطات الروحية وحدها، بل تمتد إلى النشاطات الثقافية والترفيهية والاجتماعية والرياضية وسواها. فروح الحكمة، وروح الفهم، وروح مخافة الله، هي التي ينبغي أن تتوّج كل نشاط يشارك فيه الشباب الملتزم كنسيًا، بحيث يصبح كل عمل، مهما بدا بسيطًا، فرصةً للتربية وبناء الشخصية والشهادة للإيمان.
من هنا، تأتي دعوتي إلى الأهل والعائلات: شجّعوا أبناءكم، منذ نعومة أظفارهم، على الانخراط في حياة الكنيسة، لا بوصفها واجبًا فحسب، بل باعتبارها طريقًا إلى اكتشاف الذات، وبناء الإنسان، واكتشاف معنى الإيمان في الحياة اليومية.
فالشباب هم رجاء الكنيسة، والنهضة لا تُصنع بالكلام وحده، بل بقلوب شابة تؤمن، وتصلّي، وتخدم، وتتعلم، وتحب، وتغفر، وتعيش الكلمة.
وعندها فقط نفهم، لا بالكلام وحده بل بالحياة، معنى ما قاله الرسول بولس: "بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ" (أعمال الرسل ١٧: ٢٨).