لم يرد " التيار الوطني الحر " أن يكون "مرصد الحكومة" الذي عقد امس في مجلس النواب مجرد مؤتمر لرفع الصوت في وجه حكومة نواف سلام ، بل محطة في مسار معارضة تقول إنها بدأت بالأسئلة، وانتقلت إلى التدقيق، وتستعد للانتقال إلى الاستجواب داخل مجلس النواب. وفي هذا المعنى، بدت جلسة مكتبة المجلس أمس أقرب إلى فتح دفاتر الحكومة أمام الرأي العام، تمهيداً لفتحها مجدداً تحت قبة البرلمان .

وكان النائب جبران باسيل واضحاً في رسم هذا المسار، معلناً أن دور التيار كمعارضة هو "تأدية الدور الرقابي في استجواب الحكومة"، ومعتبراً أن الحكومة خالفت بيانها الوزاري في أكثر من 64 موقعاً. لكن العبارة الأكثر دلالة جاءت في توصيفه للحصيلة الاقتصادية والمعيشية: "الوضع الكارثي الذي كان موجوداً في السابق أفضل من الوضع الحالي الذي أوصلتمونا إليه"، في هجوم سياسي مباشر على أداء الحكومة ونتائجها .

منذ نيل الحكومة الثقة، يقول " التيار " إنه وجّه إليها أكثر من 50 سؤالاً حول ملفات مختلفة، فيما لم تصله ضمن المهل، سوى إجابات عن 14 سؤالاً. ومن هنا انتقل إلى المطالبة بتحويل الأسئلة إلى استجوابات، وعقد جلسة لمساءلة الحكومة، بعدما اعتبر أن الجلسة النيابية السابقة لم تترك لنوابه الوقت الكافي لعرض مجمل الملفات التي يتابعونها .

سبعة محاور لفتح دفاتر الحكومة

المرصد لم يبنَ على ملف سياسي واحد، بل على سبعة محاور تمتد من السياسة الخارجية وحصرية السلاح واستراتيجية الأمن الوطني والمفاوضات واتفاق الإطار، إلى الطاقة والكهرباء والمياه والنفط والقضاء والعدل. وحضرت أيضاً التربية والصحة والحماية الاجتماعية، والإدارة والتعيينات وآليات اتخاذ القرار، فضلاً عن النازحين السوريين والاقتصاد والمال وأموال المودعين .

وتوزعت المداخلات على هذه الملفات، من التعيينات والإدارة إلى التربية والصحة والنازحين والإصلاح المالي، فيما تولّى باسيل رسم السقف السياسي العام. ولم يكتفِ رئيس التيار بتعداد مكامن الخلل، بل حاول ربطها بصورة أشمل عن أداء السلطة التنفيذية، معتبرا أن المشكلة لا تكمن في قرار منفرد، بل في مسار حكومي يرى " التيار " أنه ابتعد عن الالتزامات التي نالت الحكومة الثقة على أساسها .

وفي ملف الكهرباء تحديداً، كان باسيل قد خاض قبل أيام مواجهة تفصيلية مع وزارة الطاقة تحت عنوان " شو قلتوا وشو عملتوا؟ " ، مستعيداً وعود الحكومة بتأمين الكهرباء، ومحمّلاً إياها مسؤولية ما وصفه بارتفاع أعباء المولدات .

من المرصد إلى جلسة الاستجواب

هنا تكمن أهمية الخطوة المقبلة. فالتيار لا يريد أن ينتهي المرصد بانتهاء المؤتمر، بل أن يتحول إلى مادة عمل نيابي. وقد أعلن " لبنان القوي " التحضير لجلسة استجوابات في تشرين الأول، فيما يريد تحويل الملفات التي جُمعت والأسئلة التي وُجّهت إلى الحكومة إلى مواجهة مباشرة مع الوزراء تحت قبة المجلس .

وإذا انعقدت الجلسة، ستكون الحكومة أمام اختبار مختلف عن المؤتمرات والمواقف السياسية: الإجابة عن ملفات محددة، وتفسير الفارق بين الوعود والنتائج، وتقديم حيثيات القرارات التي يطعن التيار في جدواها أو دستوريتها أو مطابقتها للبيان الوزاري .

في المقابل، ستكون المعارضة أمام امتحانها هي أيضاً. فالانتقال من " مرصد " يعرض الملاحظات إلى استجواب نيابي يفرض إجابات يعني أن الملفات ستحتاج إلى وثائق وأرقام وأسئلة دقيقة، وأن المعركة ستنتقل من تسجيل المواقف إلى تحميل الوزراء مسؤولية سياسية مباشرة عن القرارات والنتائج .

بهذا المعنى، لم يكن " مرصد الحكومة " محطة ختامية بحسب "التيار"، بل افتتاحاً لمرحلة جديدة من معارضة التيار: من سؤال الحكومة " شو قلتوا وشو عملتوا؟ " إلى وضعها أمام السؤال نفسه، ولكن هذه المرة داخل مجلس النواب وتحت سقف المساءلة البرلمانية .