تتقاطع الحاجة السورية إلى الاستثمارات والخبرات والأموال، في مرحلة جديدة من إعادة بناء قطاعاتها، مع حاجة القطاع الخاص اللبناني إلى فرص نمو، خارج السوق المحليّة المحدودة. وفي ظلّ التحوّلات التي تشهدها سوريا ، تتبدّل طبيعة الفرص التي يمكن أن تجمعها بلبنان، لتشمل مجالات أوسع من التجارة وحركة السلع. ومع إعادة تشكيل العلاقة بين البلدين، تبرز الجغرافيا كميزة يمكن أن تتحوّل إلى عامل جذب للاستثمارات، ربطًا بالحدود المشتركة وشبكة الطرق البريّة والمرافق اللبنانيّة، التي تتيح الوصول إلى الأسواق السوريّة والإقليميّة.
وتأتي إعادة الإعمار والبنى التحتية في مقدّمة القطاعات المرشّحة لاستقطاب الاستثمارات، من دون أن تقتصر الفرص على القطاعات التقليديّة، فالتكنولوجيا والتحوّل الرقمي والاتصالات والخدمات الماليّة والبرمجيات، تفتح بدورها مساحة أمام الشركات اللبنانية ، للاستفادة من خبراتها والدخول إلى سوق في طور التوسّع وإعادة تشكيل بنيتها الاقتصاديّة.
وقد أعاد منتدى الاستثمار اللبناني السوري، الذي عُقد في بيروت ، وضع هذه الفرص على طاولة البحث، مع انتقال النقاش من توصيف فرص التعاون إلى آليات تحويلها إلى مشاريع واستثمارات. غير أنّ انتقال العلاقة إلى مرحلة التنفيذ لا يزال مرتبطًا بمعالجة مجموعة من العوائق، من البيئة التشريعيّة والتنظيميّة، إلى حركة التجارة وتنقّل الأشخاص ورؤوس الأموال، والاتفاقيات الناظمة للعلاقات بين البلدين.
فهل باتت الأرضيّة مهيّأة فعلًا أمام القطاع الخاص اللبناني للدخول إلى السوق السوريّة؟ وما القطاعات التي تحمل فرصًا فعليّة للاستثمار؟ وأين تقف الاتفاقيات والعوائق القائمة أمام انتقال العلاقة من مرحلة الفرص إلى مرحلة المشاريع؟
في قراءة لواقع الاستثمار اللبناني في سوريا، يرى رئيس تجمّع الشركات اللبنانيّة والخبير الاقتصادي الدكتور باسم البوّاب أنّ الأرضية أصبحت جاهزة إلى حدّ كبير، وأنّ الإرادة موجودة لدى الطرفين لتعزيز الاستثمارات والعمل المشترك، "وإن كانت لا تزال هناك بعض العقبات والتفاصيل التي تحتاج إلى معالجة، لا سيّما بعد سنوات طويلة من الانقطاع وعدم التعاون على مستوى القطاع الخاص، وما رافق المرحلة السابقة من عوائق". ويلفت البواب في حديث لـ " لبنان 24 " إلى أنّ منتدى الاستثمار اللبناني السوري الذي انعقد في بيروت، تناول مطالب ومشاكل التجار والصناعيين والمزارعين، بهدف معالجة العقبات التي لا تزال قائمة، كاشفًا أنّ نحو 1800 شركة لبنانية تسجّلت في سوريا منذ تغيّر النظام السوري حتّى اليوم، فيما بدأت شركات لبنانيّة عدّة العمل فعليًّا في السوق السوريّة.
وفي ما يخصّ القطاعات الاستثماريّة، يوضح البوّاب أنّ الفرص تشمل مشاريع المجمّعات التجاريّة، وإعادة الإعمار، والبنى التحتيّة، والإنشاءات، والإنترنت والاتصالات، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والخدمات الماليّة. ويلفت إلى أنّ اللبنانيين يمتلكون خبرات تحتاج إليها السوق السورية، خصوصًا في المصارف والتأمين وبعض الخدمات، إضافة إلى الذكاء الاصطناعي، وعلوم الكمبيوتر، ومراكز البيانات، والمجمّعات التجاريّة.
وعن حجم المشاريع المطروحة، يوضّح البوّاب أنّ الجانب السوري عرض، خلال زيارة وفد لبناني إلى سوريا برئاسة الوزير محمد شقير ووزير الاقتصاد عامر البساط، قائمة بمشاريع تحتاج إلى استثمارات، تتراوح بين مشاريع صغيرة وأخرى تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات. ويشير إلى أنّ القائمة شملت مشاريع مرتبطة بالجسور والمناطق الصناعيّة والمطارات وغيرها، وأنّ الجانب السوري دعا المستثمرين اللبنانيين إلى اختيار المشاريع التي يرغبون في الاستثمار فيها، مع إعطائهم الأولويّة "وبالفعل بدأ مستثمرون لبنانيون بالحصول على مشاريع كبيرة في سوريا والتعهّد بتنفيذها، ما يعكس انتقال الاستثمار من مرحلة الطروحات إلى مشاريع على الأرض".
ولا تتعلّق جاذبية السوق السوريّة بحجم المشاريع المطروحة فقط، بل أيضًا بطبيعة التحوّلات التي يشهدها الاقتصاد السوري وإمكانات نموّه في المرحلة المقبلة. فإلى جانب حاجة السوق إلى الاستثمارات والخبرات، يبرز حجم الاقتصاد نفسه، وقدرته على التوسّع، كعامل أساسي في تحديد مدى جاذبيته أمام المستثمرين. وفي هذا السياق، يلفت البوّاب إلى أنّ الاقتصاد السوري أصبح اقتصادًا حرًّا بما يتيح تأسيس الشركات، مشيرًا إلى أنّ الإدارة الجديدة استفادت، خلال الفترة التي تسلّمت فيها الحكم، من مساعدة خارجيّة، ولا سيّما من الأتراك ، في إعداد الأفكار والدراسات.
يصف البوّاب السوق السورية بأنّها واعدة، لكنه يلفت في المقابل إلى أنّ حجم الاقتصاد لا يزال صغيرًا مقارنة بالمساحة الجغرافيّة وعدد السكان، إذ لم يتجاوز، بحسب تقديره، نحو 40 مليار دولار، رغم أنّ مساحة سوريا أكبر من لبنان بنحو 17 مرة. ويرى أنّ الاقتصاد السوري، مع مرور الوقت، يفترض أن يصل إلى نحو 200 مليار دولار.
أمّا في ما يتعلّق بعشرات الاتفاقيّات الناظمة للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، فهناك حاجة إلى تعديل وتحديث عدد منها "لكن القطاع الخاص اللبناني لا ينتظر بالضرورة معالجة كل هذه الملفات من جانب الدولتين، إذ يمكنه البدء بالعمل ما دامت العقبات القائمة لا تمنعه من الاستثمار، على أن تتم معالجة التفاصيل وتحسين الشروط مع مرور الوقت".
في المحصّلة، تقف العلاقة الاقتصاديّة اللبنانيّة السوريّة أمام فرصة لبناء شراكة استثماريّة تتجاوز التعاون التقليدي، وتفتح مسارًا جديدًا لحركة رؤوس الأموال والمشاريع بين البلدين. وفي هذه المعادلة، لا يُعدّ موقع لبنان الجغرافي مجرّد ميزة، بل يمكن أن يشكّل رافعة للاستثمار، إلى جانب مرفأ طرابلس ومطار القليعات، وما يتيحانه من إمكانات للربط مع سوريا والأسواق الإقليميّة. غير أنّ تحويل هذه المزايا إلى مشاريع استثماريّة فعليّة، يتطلّب أن تتحوّل الحدود والمرافق من عناصر تَقارب، تفرضها الجغرافيا، إلى أدوات شراكة، تصنعها المصالح المشتركةوالاستثمارات، بين البلدين الجارين.