حين انسحبت الدولة من الكهرباء والمصارف، لم يبقَ مكانها فارغاً. على الأسطح وفي الدكاكين وورش الأزقة نشأ سوق عمل كامل لا يظهر في أي تصنيف رسمي، يعيش من أعطال البلد ويكبر معها. فبين 2019 و2024 ارتفعت قدرة الطاقة الشمسية اللامركزية من 78 ميغاواط إلى نحو 1,190 ميغاواط. وفي عام واحد قفز الاقتصاد النقدي المدولر من 26.2% من الناتج المحلي في 2021 إلى 45.7% في 2022. وبين هذين الرقمين وُلدت مهن جديدة، هذه خمس منها.


مركّب الألواح الشمسية
ارتفع عدد الشركات العاملة في القطاع من 130 إلى 800، وتقدّر الارقام أن السوق خلق بين 5 و6 آلاف وظيفة جديدة خلال عامين. الحرب لم توقف الطلب: في 2024 دُمّر 131 ميغاواط من الألواح، أي أكثر من 244 ألف لوح، ورُكّب في السنة نفسها 240 ميغاواط جديدة.


مصلّح "الإنفرتر"
كل نظام شمسي يمرّ عبر" إنفرتر"، وكل إنفرتر يتعطّل في النهاية. الطفرة أدخلت إلى السوق شركات جديدة وكهربائيين جدداً وخبراء طارئين، وكثير من الأنظمة المركّبة لم تُصَن كما يجب.
ولا يشترط لبنان أي اعتماد لشركات الطاقة الشمسية، ولا توجد جهة تصادق على الأنظمة قبل تشغيلها. من هذه الثغرة يعيش المصلّح، حيث يصلح ما ركّبه غيره. والموزّعون الكبار دخلوا هذه السوق، وأحدهم يعرض تصليح الإنفرتر وإعادته إلى صاحبه في أي منطقة خلال 24 ساعة. والنسخ المقلّدة من الماركات الشائعة في السوق تزيد عمله.


فنّي البطاريات
عام 2020 استورد لبنان 415 ألف بطارية من كل الأنواع، وفي 2021 تجاوز العدد سبعة ملايين، مع اتساع الطلب على الطاقة الشمسية. هذه البطاريات تحتاج إلى من يفحصها ويبدّلها، ثم إلى من يتخلّص منها، وهنا تنقطع السلسلة: إعادة تدوير بطاريات "الليثيوم" غير متاحة في لبنان، وإتلافها أو طمرها مخالف للقانون. إل أنّ الخطأ في هذه المهنة قد يؤدي إلى كوارث ضخمة أهمها الحرائق. ففي حزيران الماضي أطفأ الدفاع المدني حريقاً في كفرتون-عكار سببه انفجار بطاريات ليثيوم إثر خلل في نظام شمسي داخل محل تجاري.


بائع "الأمبير"من السطح
القانون يسمح بتركيب أنظمة شمسية للاستعمال الخاص حتى 1.5 ميغاواط، لكنه يمنع تقاسم الكهرباء أو بيعها. البيع للجار الملاصق لا يمرّ إلا بالالتفاف على الشبكة، أي أن من يبيع أمبيراته يعمل خارج القانون.

وكيل التحويلات
الدكان الذي كان يبيع بطاقات التشريج صار فرع المصرف. فبعد انهيار الثقة بالقطاع المصرفي، بلغ حجم الاقتصاد النقدي نحو 9.86 مليار دولار في 2022. تمرّ هذه السيولة عبر شبكات وكلاء تنتشر في لبنان من خلال ما يزيد على 3000 نقطة بيع، كما لا تزال ذاهبة نحو ارتفاع أكبر.

خمس مهن تجمعها قاعدة واحدة. كلها تعمل في المساحة التي تركتها الدولة، ولا تنظّمها أي جهة. فمركّب الألواح لا يحتاج إلى اعتماد، وبائع "الأمبير" يعمل خارج القانون، وفنّي البطاريات لا يجد مكاناً قانونياً يتخلّص فيه من نفاياته. وحين تحرّكت الدولة أخيراً، كان أول قرار لها رسماً بلدياً على تركيب الألواح، ثم سحبته بعد أيام.