في ظلّ حُضور جَماهيري كبير وخُطاب عالي السقف لرفع المعنويّات من قبل أمين عام " حزب الله " الشيخ نعيم قاسم ، تم إحياء الذكرى السنوية الثانية لاغتيال الأمين العامالسابق للحزب السيد حسن نصر الله ، وخَلفَه الرئيس السابق للمجلس التنفيذي السيد هاشم صفي الدين ، إضافة إلى مجموعة كبيرة من أبرز قياديّيه. فهل ما زال "حزب الله" يتمتّع بالقوّة نفسها، أم أنه "انتهى" كما يقول خُصومه؟!

لا شكّ أنّ ما تعرّض له "حزب الله" خلال السنوات الثلاث الماضية شكّل زلزالًا داخليًا هزّ أسسه بكل ما للكلمة من معنى، حيث أنه إضافة إلى الضربة الكبرى باغتيال السيد نصر الله، فقَد "الحزب" العدد الأكبر من قادته السابقين من الصفّين الأوّل والثاني، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر بتسلسل زمني امتدّ على مدى أربعة أشهر خلال العام 2024، قائد وحدة "بدر" سامي طالب عبد الله (11 حزيران)، ورئيس العمليات العسكرية فؤاد شكر (30 تموز)، وقائد قوة الرضوان إبراهيم عقيل ومجموعة من قيادات هذه الوحدة الخاصة (20 أيلول)، وقائد منظومة الصواريخ والقذائف إبراهيم قبيسي (24 أيلول)، وقائد الوحدة الجوية المسؤول عن سلاح المسيرات محمد حسين سرور (26 أيلول)، فضلاً عن آلاف المقاتلين، ناهيك عن خسارة القسم الأكبر من ترسانته العسكرية من الصواريخ المتوسّطة والبعيدة المدى.

الا ان الخسارة الأهم معنويّة، وتمثّلت في سُقوط أسطورة الردع وتوازن القوة مع إسرائيل والقُدرة على ردّ الصاع صاعين، حيث ارتدّت عكسيًا العبارة المشهورة التي كانالسيد نصر الله قد قالها في آخر خُطاب له في 19 أيلول 2024 عقب عملية "البايجرز" بأنّ "الخبر ما ترون لا ما تسمعون"، وعاد الاحتلال الإسرائيلي إلى قسم كبير من الجنوب، ولا يزال نحو 300 الف نازح بعيدين عن قراهم دون معرفة تاريخ العودة المُحتمل. وتزامنت هذه التطوّرت مع سُقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشّار الأسد في نهاية العام 2024، الأمر الذي تسبّب بقطع خُطوط الإمداد اللوجستي الذي كان يربط برًا بين إيران ولبنان مُرورًا بكل من العراق وسوريا.

حتى أنّ نظرة السُلطة السياسية إلى "الحزب"، تبدّلت فصار مُطالبًا بتسليم سلاحه، بعد إصدار الحُكومة الحالية برئاسة نوّاف سلام قرارات تُحظّر العمل العسكري والأمني لـ"الحزب"، فيما تراجع التأييد الشعبي له بشكل ملحوظ، في حين علت اصوات المُعترضين على سلاحه بشكل أوضح من السابق. وعلى الرغم من أنّ شرائح شعبية عدّة لا تُعادي "الحزب"، بل تؤيّده بوجه الاحتلال الإسرائيلي بطبيعة الحال، إلا أنّها تَعبت من تَبِعَات تكرار توريط لبنان في حروب بأبعاد إقليمية تُضرّ بالمصلحة اللبنانية العليا التي يجب أن تكون في مقدّم الاهتمام.

لكنّ كل ما سبَق لا يعني أنّ "حزب الله" انتهى - كما يقول خُصومه- فهو لا يزال يُشكّل أحد أبرز القوى السياسية على الصعيد الداخلي، وقادر على عرقلة أي استحقاقات مقبلة بمجرّد أن تتقاطع مصلحته مع مصلحة بعض الجهات السياسية الداخلية الأخرى. وهو قادر، في حال إجراء انتخابات نيابية في المدى المنظور، أن يعود إلى مجلس النواب بكتلة نيابية كبيرة، حتى لو تمكّن خُصومه من خرق لوائحه بنائب هنا أو آخر هناك. أما تنظيمه الأمني وعتادهالعسكري فيجعلانه الجهة الحزبية الداخلية الأكثر تسلّحًا وقُدرة على الضغط، وحتى على الترهيب إن اقتضى الأمر. وعلى الرغم من القرارات الحكومية التي تُطالبه بتسليم سلاحه، يرفض "الحزب" تطبيق أيّ من هذه البُنود، من موقع قُوّة وعدم مبالاة، ويتمسّك بمواقفه السابقة، لجهة ضرورة بحث استراتيجية دفاعية بعد زوال الاحتلال بشكل كامل والإفراج عن الأسرى وعودة النازحين وإطلاق ورشة إعادة الإعمار.

بالنسبة إلى حُضوره الإقليمي وقُدرته على تهديد إسرائيل، فقد تراجعا بشكل كبير جدًا، ويُمكن لهذا الوضع أن يُصبح أكثر سوءًا إن خسر النظام الإيراني الصراع الحالي مع الولايات المتحدة الأميركية . إلا أنّه يُمكن في المقابل أن يعود وضع "الحزب" ليتحسّن بشكل تدريجي، في حال خرجت إيران منتصرة سياسيًا من هذا الصراع، وعادت لتمدّه بالدعم الذي كان يحظى به سابقًا، لكن هذا الاحتمال مرهون أيضًا بالمنحى الذي ستسلكه السُلطة في لبنان إزاء السلاح غير الشرعي، بمُجرّد انتهاء الصراع الإقليمي.

إذًا، المهرجانات والخطابات الرنّانة وتخليد القادة لا يعيد بريقًا مفقودًا ونفوذًا متراجعًا، حيث أنّ مُستقبل "حزب الله" كتنظيم عسكري صار مرتبطًا بشكل كبير بنتائج الصراعالمتواصل بين واشنطن وطهران. فانتصار إيران شيء، وانتصار أميركا شيء آخر تمامًا بالنسبة إلى مصير "الحزب".