عاد ملف تمديد ولاية مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان إلى الواجهة بقوة، مع المعلومات المتداولة عن إنجاز مقرّرة مجلس شورى الدولة تقريرها في الطعن المقدّم ضد قرار المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى الذي رفع سن تقاعد المفتي من 72 إلى 76 عاماً، وما نُسب إلى التقرير من اتجاه إلى قبول الطعن وإبطال التمديد. لكن، في المقابل، لا يزال المسار القضائي في مرحلته السابقة للحكم النهائي، إذ يفترض أن يُستكمل بتبليغ التقرير ومطالعة مفوض الحكومة للأطراف، وإتاحة مهلة شهر لإبداء الملاحظات، قبل انتقال الملف إلى مرحلة الحكم .
وبالتالي، فإن الحديث عن انتهاء ولاية دريان يبقى مرتبطاً بصدور الحكم النهائي، لا بتقرير المقرّرة أو مطالعة مفوض الحكومة. وكان مجلس شورى الدولة قد أعاد تحريك الملف بعد ردّ الاستئناف المتعلق بالطعن، ما أعاد المراجعة إلى مسارها وأبقى قرار تعديل سن التقاعد والتمديد موضع رقابة قضائية .
في حال انتهى المجلس إلى إبطال القرار الذي سمح بالتمديد، فإن النتيجة الأولى ستكون سقوط الأساس القانوني الذي استندت إليه استمرارية الولاية، لكن طريقة ترجمة الحكم على أرض الواقع تحتاج إلى إجراءات لاحقة. فمجلس شورى الدولة، وفق وزارة العدل، يعلن الأوضاع القانونية التي تشكل موضوع الدعوى ولا يحل محل السلطة الإدارية المختصة لاتخاذ المقررات التي تترتب عليها. كما أن أحكامه لا تخضع لاستئناف أمام جهة قضائية أعلى، وإن كان القانون يحدد طرق مراجعة استثنائية أمام الغرفة التي أصدرت الحكم، منها الاعتراض وإعادة المحاكمة وتصحيح الخطأ المادي واعتراض الغير في الحالات التي ينص عليها القانون .
وهنا تبرز سيناريوات عدة: الأول أن يتم التعامل مع الحكم باعتباره نافذاً، فتبدأ الإجراءات لتأمين إدارة دار الفتوى إلى حين انتخاب مفتٍ جديد وفق الآلية القانونية. والثاني أن تسلك الجهة المتضررة إحدى طرق المراجعة التي يتيحها القانون، من دون أن يعني ذلك وجود حق مفتوح في تعطيل الحكم أو رفضه لمجرد عدم الموافقة عليه. فوزارة العدل تؤكد أن قرارات مجلس شورى الدولة لا تُستأنف أمام جهة قضائية أخرى، وإنما تخضع فقط لطرق المراجعة المحددة قانوناً .
أما مسألة من يتولى إدارة الموقع موقتاً، فلا تبدو محسومة بنص واحد يحدد بصورة تلقائية اسم الشخص وصلاحياته في كل حالات الشغور. فموقع دار الفتوى يوضح أن أمين الفتوى يقوم مقام المفتي بتفويض منه أثناء غيابه أو مرضه الطويل أو تعذر قيامه بمنصبه، وهو ما لا يطابق حكماً حالة انتهاء الولاية نتيجة حكم قضائي. وفي المقابل، توجد سابقة تاريخية لاستمرار إدارة الموقع بصورة موقتة إلى حين انتخاب مفتٍ جديد .
والأصل، في المقابل، أن شغور موقع المفتي يقود إلى انتخاب خلف له وفق الآلية المنصوص عليها في المرسوم الاشتراعي 18/1955. وتظهر سابقة 2014 أن رئيس مجلس الوزراء أصدر قراراً رسمياً بدعوة مجلس الانتخاب الإسلامي لانتخاب مفتي الجمهورية، مستنداً إلى مواد المرسوم ذات الصلة، ما يؤكد أن انتخاب المفتي هو المسار المؤسسي المعتمد عند فتح الاستحقاق .
في موازاة المسار القضائي، تتداول أوساط معنية بالملف سيناريو يقضي بأن يقدم دريان استقالته كصيغة لإخراج الأزمة من مسار إسقاط الولاية بحكم قضائي، بما يسمح بانتقالٍ أكثر سلاسة إلى مرحلة انتخاب مفتٍ جديد. وكانت تقارير قد تحدثت سابقاً عن أفكار بهذا الاتجاه، بينها استقالة دريان وربطها بترتيبات انتقالية داخل دار الفتوى، إلا أن هذه المعلومات بقيت في إطار التداول ولم تتحول إلى قرار معلن أو خيار محسوم .
وعليه، فإن الأيام المقبلة قد تحمل أكثر من مسار: حكم بإبطال التمديد يفرض معالجة قانونية للشغور، أو سلوك طرق المراجعة المتاحة قانوناً، أو تسوية داخلية تسبق الحكم إذا تم اعتماد خيار الاستقالة. وفي كل الحالات، فإن العقدة الأساسية لن تكون فقط في مصير دريان الشخصي، بل في كيفية إدارة المرحلة الانتقالية ومن يملك صلاحية الدعوة إلى انتخاب المفتي الجديد، وهي مسائل ستتحدد وفق منطوق الحكم والإجراءات التي ستليه .
المصدر:
النهار
مصدر الصورة