آخر الأخبار

هذا هو وضع الجنوب بعد سنتين من اغتيال نصرالله

شارك
في 27 أيلول 2024 اغتيل الأمين العام السابق لـ " حزب الله " السيد حسن نصرالله، بعد نحو عام من فتح "الحزب" جبهة الجنوب في 8 تشرين الأول 2023 تحت عنوان إسناد غزة. وكان اغتياله محطة مفصلية في مسار الحرب، لأنه جاء في لحظة كانت فيها إسرائيل قد بدأت باستهداف البنية القيادية والعسكرية لـ "الحزب" في صورة غير مسبوقة.


أول تغيير جوهري هو أن المعادلة العسكرية التي كانت قائمة في الجنوب قبل الاغتيال لم تعد كما كانت. ف"الحزب" فقد جزءاً كبيراً من قيادته وبنيته العسكرية خلال الحرب، وانتهت مرحلة كان فيها قادراً على تقديم نفسه بوصفه الطرف الذي يمتلك القرار الميداني الأساسي على الجبهة الجنوبية. لكن هذا لا يعني أن "الحزب" اختفى أو أن سلاحه انتهى؛ بل إن مسألة السلاح أصبحت منذ ذلك الوقت في قلب النقاش اللبناني الرسمي والدولي، وانتقلت تدريجياً من كونها قضية خلاف سياسي داخلي إلى قضية مرتبطة مباشرة بمستقبل الدولة والجنوب.


التغيير الثاني، وربما الأهم لبنانياً، هو انتقال الجيش من موقع الشريك الأمني إلى موقع صاحب المسؤولية التي تريد الدولة تكريسها حصراً. ففي كانون الثاني 2026 أعلن الجيش أن المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح حققت أهدافها في قطاع جنوب الليطاني، مع توسيع انتشاره والسيطرة العملياتية على الأراضي التي أصبحت تحت سلطته، باستثناء المناطق والمواقع التي بقيت تحت الاحتلال الإسرائيلي .
وهذا تطور بالغ الدلالة. فالحكومة اللبنانية تحدثت صراحة عن استعادة الدولة لوجودها وسيطرتها العملية في جنوب الليطاني، فيما أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن المرحلة الأولى من العملية أُنجزت خلال أربعة أشهر، وأن المرحلة التالية تستهدف توسيع سلطة الدولة في اتجاه نهر الأولي. إلاّ أن هذه المعطيات لا تنفي ما كان يتمّ تداوله على لسان الجانب الأميركي في لجنة "الميكانيزم"، ومفاده أن الجيش لم يقم بما كان مطلوبًا منه القيام به في المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني.


لكن هنا تظهر المفارقة الجنوبية الكبرى، إذ أنه كلما تقدمت الدولة خطوة، بقي الاحتلال الإسرائيلي والعمليات العسكرية الإسرائيلية عاملاً يعرقل اكتمال هذه الخطوة. فالجيش نفسه أعلن أن استمرار الهجمات الإسرائيلية ووجود مواقع محتلة ومناطق عازلة يعيق استكمال مهمته في فرض سلطة الدولة وحصر السلاح. وفي أيلول 2026 قال الجيش إن التصعيد الإسرائيلي وأعمال الهدم والتفجير في الجنوب تعيق جهوده لإرساء الاستقرار. وهذا يعني أن المشهد الجنوبي اليوم بات محكوماً بثلاثة مسارات متداخلة: جيش يحاول توسيع سلطته، "حزب الله" الذي لن يتخلَّى عن سلاحه، وإسرائيل التي ما زالت تحتفظ بمواقع وتنفذ عمليات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية.


أما التغيير السياسي، فهو ربما الأوضح، إذ كان السؤال الأساسي قبل عامين عمّا يريده حزب الله من الدولة؟ أما اليوم فأصبح السؤال الرسمي: كيف تستعيد الدولة قرارها وسيادتها على الجنوب؟


ففي 2 آذار 2026 اتخذ مجلس الوزراء قراراً بحظر النشاطات الأمنية والعسكرية لـ "حزب الله"، وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة وحصر عمله في المجال السياسي، كما طلب من الجيش تنفيذ الخطة المتعلقة بحصر السلاح. كذلك فعل الرئيس جوزاف عون، الذي قال إن حصرية السلاح قرار لبناني داخلي، وإن الجيش هو الجهة التي تتولى تنفيذه وفق الإمكانات والظروف.


وهنا يمكن القول إن اغتيال نصرالله لم يسقط "حزب الله"، لكنه أسقط أو أضعف الكثير من المعادلات التي كانت تحيط بدوره. فقد انتقل "الحزب" من موقع الطرف الذي يملك هامشاً واسعاً في تحديد إيقاع الجنوب إلى طرف أصبح سلاحه نفسه موضوعاً للتفاوض والقرار الرسمي والضغط الدولي.


وفي المقابل، لا يمكن القول إن الجنوب استعاد استقراره. فالأمم المتحدة حذرت في أيلول 2026 من صعوبة المرحلة المقبلة، خصوصاً مع التحضير لبدء انسحاب "اليونيفيل" في نهاية 2026، فيما لا يزال بعض مواقعها يقع في مناطق تسيطر عليها إسرائيل.


واللافت أن اتفاق الإطار الذي بدأ تطبيقه في مناطق تجريبية خلال تموز 2026 أدخل الجيش في ترتيبات جديدة تقوم على توليه الأمن في مناطق محددة بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي تدريجي. وقد بدأ الجيش الانتشار في الزوطر الغربية، إلى جانب الفَرُون وصريفا، ضمن المرحلة التجريبية.


لذلك، إذا أردنا اختصار عامين بكلمتين، يمكن القول: الجنوب انتقل من معادلة "حزب الله وإسرائيل" إلى معادلة أكثر تعقيداً، وهي "الدولة وحزب الله وإسرائيل والمجتمع الدولي".


لكن المعركة الأساسية لم تُحسم بعد. فالدولة اللبنانية قطعت مسافة مهمة في اتجاه استعادة قرارها، والجيش أصبح أكثر حضوراً في الجنوب، لكن السيادة الكاملة لا تزال مرتبطة بثلاثة استحقاقات متلازمة: انسحاب إسرائيل، تثبيت سلطة الجيش، وحسم مسألة السلاح خارج الدولة.


وهنا تحديداً تكمن المفارقة. فبعد عامين على اغتيال نصرالله، تغيّر الجنوب كثيراً، لكن السؤال الذي بقي مفتوحاً هو نفسه: متى يصبح جنوب لبنان أرضاً تحت مسؤولية الدولة وحدها؟
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا