في المنطقة، لا شيء يبقى ثابتاً طويلاً. الخصوم يتفاوضون، التحالفات تتبدل، والملفات التي بدت عصية على الحل قد تدخل فجأة غرف التسويات. وما يجري حالياً يكشف أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة إعادة رسم للموازين، لا بالسلاح وحده، بل عبر قنوات تفاوض تُفتح أحياناً بين أطراف تخوض مواجهات مباشرة ضد بعضها.
في
نيويورك ، عادت الاتصالات بين
الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة، إذ جرت في 22 أيلول محادثات استمرت ساعات بين وفد إيراني ومسؤولين أميركيين عبر وسطاء، وتركز جانب أساسي منها على شروط العودة إلى التفاوض وملف مضيق هرمز.
ورغم استمرار الخلافات الكبيرة بين الطرفين، فإن مجرد عودة قناة التفاوض بعد أشهر من الحرب يعكس محاولة للبحث عن مخارج سياسية بالتوازي مع استمرار الضغط والمواجهة.
وقبل ذلك بأيام، ظهر نموذج آخر لا يقل دلالة في اليمن. على أرض دولة عربية وهي سلطنة عمان، التقى مسؤولون أميركيون بممثلين عن جماعة الحوثي، وتركز البحث على تثبيت التفاهمات المتعلقة بعدم استهداف السفن الأميركية وأمن الملاحة في البحر الأحمر، في وقت تستمر فيه المواجهة اليمنية وتتصاعد حساسيتها بالنسبة إلى
السعودية . وفعلياً، فإن
واشنطن تتفاوض مع الحوثيين في الوقت نفسه الذي تتعامل فيه معهم بوصفهم خصماً إقليمياً.
التطورات والمسارات هذه تكشف أن المنطقة لا تنتظر انتهاء الحروب كي تبدأ التفاوض، بل يبدو أن التفاوض نفسه أصبح جزءاً من إدارة الحروب وإعادة رسم موازين القوى التي ستليها. وعليه، فإن ما يُبحث اليوم في نيويورك ومسقط والعواصم العربية قد يتحول لاحقاً إلى تفاهمات أوسع تتداخل فيها ملفات
إيران واليمن وسوريا وأمن الممرات البحرية ومستقبل النفوذ الإقليمي.
وسط هذا المشهد، يواجه
لبنان سؤالاً أساسياً: هل سيكون جزءاً من الحلول التي يجري البحث عنها إقليمياً عبر الدولة ومؤسساتها، أم ينتظر حتى تنتهي المفاوضات ثم يتعامل مع نتائج صيغت من دونه؟
الخطر بالنسبة إلى لبنان لا يكمن فقط في طبيعة التسويات المقبلة، بل في احتمال بقائه خارجها. هنا، يقول مصدر نيابي لـ"لبنان24" إنه في حال تحركت المنطقة نحو تفاهمات جديدة فيما بقي لبنان واقفاً على الهامش، فإن خطر انعزاله سيكبر، وقد يجد نفسه لاحقاً أمام وقائع سياسية وأمنية لا يملك هامشاً واسعاً للتأثير فيها.
لهذا السبب، يصبح الانخراط اللبناني في المسارات التي يجري بحثها إقليمياً عبر دول عربية نافذة، ضرورة، لا بهدف الارتماء في أي محور، وإنما لتثبيت موقع لبنان ومصالحه داخل أي ترتيبات جديدة.
كذلك، فإن الوقوف جانباً قد يبدو أحياناً خياراً آمناً، لكنه في لحظات التحول الكبرى قد يتحول إلى خسارة، لأن التسويات لا تنتظر بالضرورة من يتأخر عن الالتحاق بها.
وهنا، فإن الرهان الأكبر على ذلك لدمج لبنان في أي حل إقليمي موسع يجب أن يكون من بوابة عربية، أي أن يطلب لبنان الضغط باتجاهه من خلال
الدول العربية التي تمثل امتداداً له بمعزل عن علاقاته بدول أخرى. وفعلياً، فإن خلاص لبنان يبدأ بأمرين، اندماجه الأكبر ضمن مظلة
الخليج والعالم العربي ليكون ضمن الحل الكامل، والابتعاد عن الارتماء في قلب محور مقابل محور آخر، وبالتالي اختيار البقاء في المنتصف وضمن خانة الوسطية بين محورين، والأساس في ذلك هو المحور العربي.
في خلاصة القول، يعتبر الوقت عنصراً أساسياً في هذه معادلة الحل. ففي خضم لحظات إعادة ترتيب المنطقة، يصبح التأخر مكلفاً بالنسبة للبنان.
وعليه، كلما طال الانتظار، تراجعت قدرة لبنان على أن يكون طرفاً في صياغة الحل وارتفع احتمال تحوله إلى مجرد ساحة تُطبّق فيها نتائج تفاهمات الآخرين. ولهذا، عليه الانخراط أكثر في
الجبهة العربية ليكون مستفيداً من المظلة الشاملة لا أن يكون وحيداً معزولاً وسط منطقة تُرسم خرائط النفوذ فيها مُجدداً.