آخر الأخبار

الدولة بين مظلّة الشرعية وأجندات الخارج

شارك


نادين سلام - اللواء

تنعقد أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك فيما يعيش العالم واحدة من أكثر مراحله اضطراباً، على وقع الحرب الأميركية ــ الإيرانية وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، والتصعيد المتواصل في الشرق الأوسط، وما يتركه من انعكاسات تتجاوز حدود المنطقة إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. وقد ازدادت المخاوف مع استمرار التوتر على أكثر من جبهة، من الخليج والبحر الأحمر إلى لبنان وغزة واليمن، في مشهد دولي مفتوح على احتمالات شتّى.

وفي خطابه أمام الجمعية العامة، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الملف الإيراني أمام خيارين حادَّين: اتفاق دبلوماسي يفتح الباب أمام تسوية، أو تصعيد عسكري وصفه بعبارات شديدة القسوة، مؤكداً أنه قد يتجه إلى «إبادة» إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق و«دفعها نحو الجحيم». وفي الوقت نفسه، أبقى باب التفاوض مفتوحاً، في إشارة إلى أن المسار الدبلوماسي لم يسقط نهائياً من الحسابات الأميركية.

أما لبنان، فيجد نفسه مرة أخرى في قلب اختبار بالغ الحساسية. فالجنوب لا يحتمل فراغاً أمنياً أو سياسياً، ولا يمكن أن يتحول إلى ساحة مفتوحة أمام الحسابات الإقليمية والدولية. وتكتسب مسألة مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان أهمية مضاعفة، بعدما قرر مجلس الأمن تمديد ولايتها للمرة الأخيرة حتى نهاية عام ٢٠٢٦، على أن يبدأ بعدها انسحاب تدريجي ومنظم، بالتنسيق مع الدولة اللبنانية، بهدف أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن في الجنوب.

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست حول شكل الانتشار الدولي فحسب، بل حول قدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها كاملاً. فلبنان يحتاج إلى مظلة الشرعية الدولية لا بوصفها بديلاً عن سيادته، بل بوصفها دعماً لسيادته، وإلى جيشه ومؤسساته الشرعية بوصفها المرجعية الوحيدة التي تحمي الأرض وتصون القرار الوطني.

وفي الداخل، تتصاعد السجالات السياسية، فيما يعاني اللبنانيون من أثقال اقتصادية واجتماعية ومعيشية متراكمة فاقمتها الحرب وتداعياتها. وبين من يحاول الدفاع عن أداء الحكومة، ومن يسعى إلى استثمار إخفاقاتها السياسية والميدانية، يبقى السؤال الأهم: ماذا تستطيع الدولة أن تفعل فعلياً لحماية الناس وإعادة إعمار ما تهدّم وإطلاق مسار تفاوضي يحفظ الحقوق اللبنانية؟

إن مساعي الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام لا يمكن أن تنجح من دون غطاء وطني جامع ومؤسسات دولة قادرة على تحويل المواقف السياسية إلى وقائع. فالمطلوب ليس المزيد من الضجيج الانتخابي ولا المزايدات في الشارع، بل استعادة القرار الوطني من كل وصاية خارجية، أياً كان مصدرها.

وهنا تبدو مقولة المفكر السياسي جون لوك شديدة الصلة باللحظة اللبنانية: «حيثما ينتهي القانون يبدأ الطغيان». فالدولة لا تكون دولة إلا حين يكون القانون مرجعيتها، وحين تصبح مؤسساتها صاحبة القرار في الحرب والسلم والأمن وإعادة الإعمار، لا أن تتوزع هذه الصلاحيات بين قوى وأجندات متنافسة تتحول إلى جلاد على البلاد و العباد.

ويبقى التحدي مزدوجاً: هل تستطيع الأمم المتحدة أن تؤمّن انتقالاً منظماً يحفظ الاستقرار تحت مظلة الشرعية الدولية؟ وهل تنجح الدولة اللبنانية في فرض مصلحتها الوطنية على أرض الواقع، بحيث يصبح الجنوب مساحة للسيادة وإعادة الإعمار، لا ساحة لتصفية حسابات الآخرين؟

في لحظة إقليمية ودولية بهذا القدر من الخطورة، لم يعد أمام لبنان ترف الانتظار. فإما أن تستعيد الدولة زمام المبادرة، أو يبقى الوطن رهينة أجندات تتقاطع فوق أرضه وتتعارض في كثير من الأحيان مع مصالح شعبه.


MTV المصدر: MTV
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا