يبدو أن أحد الأسئلة الأكثر حساسية في إدارة المرحلة الحالية يتعلق بموقع
الجبهة
اللبنانية في أي حرب إقليمية مقبلة: هل بات هناك احتمال فعلي بأن تبقى هذه الجبهة خارج المواجهة، حتى لو اندلعت حرب كبيرة في مكان آخر من المنطقة؟
هذا السؤال لم يعد تفصيلاً عسكرياً فقط، بل تحول إلى عامل أساسي في إدارة المرحلة سياسياً في
لبنان ، وقد يترك تأثيراً مباشراً على طريقة تعاطي القوى السياسية مع
حزب الله ومع بعضها البعض خلال الفترة المقبلة.
فالمعادلة الإقليمية التي تعمل
طهران على تكريسها تقوم، إلى حد بعيد، على ترابط الساحات عند الحروب الكبرى. أي أن تعرض إحدى الجبهات لخطر استراتيجي قد يدفع ساحات أخرى إلى التحرك، وإن بدرجات وأشكال مختلفة. وقد أظهرت التطورات الأخيرة مستوى متزايداً من التنسيق بين القوى المتحالفة مع
إيران ، وخصوصاً في اليمن والعراق، فيما بقي حجم المشاركة مرتبطاً بطبيعة كل مواجهة وظروفها.
وفق هذا المنطق، فإن توسع الحرب على اليمن، ووصولها إلى مستوى تدخل أميركي واسع، قد يدفع إيران أو الفصائل
العراقية إلى رفع مستوى انخراطها. والأمر نفسه ينطبق على أي حرب أميركية كبيرة على إيران، حيث يصبح توسيع العمليات من
العراق واليمن احتمالاً مطروحاً بقوة.
لكن المعادلة تصبح أكثر تعقيداً عندما يصل
النقاش إلى لبنان.
فإذا تعرض لبنان لحرب إسرائيلية واسعة، من المنطقي أن تتحرك ساحات أخرى لمساندته، سواء من إيران أو اليمن أو حتى من بعض الفصائل العراقية، خصوصاً أن تطورات الأشهر الماضية أظهرت أن الجبهة اللبنانية لا تزال جزءاً أساسياً من الحسابات الإقليمية، وأن أي انفجار كبير فيها يصعب عزله بالكامل عن بقية المنطقة.
لكن السؤال المعاكس هو الأهم: هل يدخل حزب الله في حرب عسكرية واسعة إذا تعرضت إيران أو اليمن لهجوم كبير؟
حتى اللحظة، لا توجد إجابة معلنة وحاسمة عن هذا السؤال، ولا يمكن التعامل مع مفهوم "وحدة الساحات" على أنه يعني تلقائياً دخول جميع الأطراف في كل حرب وبالمستوى نفسه. التجارب الماضية أظهرت أن لكل ساحة حساباتها، وأن حجم المشاركة يمكن أن يتبدل بحسب الظروف العسكرية والسياسية وحجم الخطر الذي تتعرض له.
مع ذلك، توحي المعطيات السياسية والميدانية بأن حزب الله ليس في وارد البحث عن معركة جديدة من تلقاء نفسه في المرحلة الحالية. والأقرب أن الأولوية اللبنانية باتت مرتبطة بإعادة ترتيب الوضع الداخلي والعسكري والمحافظة على ما تبقى من قدرة ردع، بدلاً من فتح جبهة إسناد واسعة لمصلحة ساحة أخرى.
وهنا تحديداً يمكن فهم التمايز الذي بدأ يظهر داخل المحور نفسه. فمساندة أي جبهة لم تعد تعني بالضرورة الدخول الكامل في الحرب. وقد يكون هناك توزيع مختلف للأدوار، يسمح للعراق واليمن بأداء دور أكثر تقدماً في بعض المواجهات،في مقابل إبقاء الجبهة اللبنانية خارج الحرب ما لم تتعرض هي نفسها لهجوم واسع.
إذا ترسخت هذه المعادلة، فنحن أمام تحول مهم في موقع لبنان داخل الصراع الإقليمي. عندها يصبح حزب الله جزءاً من منظومة مترابطة سياسياً واستراتيجياً، لكن من دون أن يعني ذلك أن بندقيته ستتحرك تلقائياً مع كل حرب يخوضها أحد أطراف هذه المنظومة.
وهذا التحول، إذا ثبت، لن تبقى تداعياته عسكرية فقط، بل سينعكس حكماً على السياسة اللبنانية وعلى طريقة إدارة الصراع الداخلي في المرحلة المقبلة.