تتداخل المساعي الدبلوماسية مع احتمالات التصعيد العسكري في اليمن، في مرحلة لم تعد فيها تداعيات أي مواجهة جديدة محصورة بالعلاقة بين صنعاء والرياض، بعدما باتت التطورات اليمنية تتقاطع مع التوتر المتصاعد بين
الولايات المتحدة وإيران، وما قد يترتب عليه من تحولات في المشهد الإقليمي.
وفي وقت تتحرك فيه
تركيا لفتح مسار سياسي يتيح معالجة الأزمة اليمنية، تبرز تحذيرات أميركية من اضطرابات أمنية محتملة في المنطقة، الأمر الذي يضع جهود التهدئة أمام اختبار يتجاوز قدرة الأطراف اليمنية والسعودية وحدها على ضبط مسار الأحداث.
ويكتسب التحرك
التركي أهمية خاصة في ظل الحديث عن مقترحات نُقلت إلى الأطراف المعنية، في محاولة لإيجاد مخرج يحول دون تجدد المواجهة العسكرية. غير أن وجود مبادرة دبلوماسية لا يعني بالضرورة اقتراب التوصل إلى تسوية، خصوصاً أن الخلافات القائمة لا تتعلق بترتيبات أمنية مؤقتة فحسب، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة المستقبلية بين صنعاء والرياض وحدود الدور السعودي في اليمن. ومن هنا، فإن فرص نجاح أي وساطة ستبقى مرتبطة بمضمون الحلول المطروحة، ومدى قدرتها على معالجة المسائل التي حالت دون التوصل إلى اتفاق نهائي خلال المراحل السابقة.
وفي هذا السياق، تتمسك صنعاء بموقف يقوم على إنهاء العمليات العسكرية ورفع القيود المفروضة على اليمن ووقف التدخل الخارجي في شؤونه، وهي مطالب تجعل من الصعب تصور قبولها بتسوية تعيد إنتاج الترتيبات السابقة بصيغة مختلفة. أما بالنسبة إلى الرياض، فإن أي اتفاق محتمل يرتبط أيضاً بحساباتها الأمنية ومصالحها الإقليمية، ولا سيما ما يتعلق بضمان عدم تجدد الهجمات على أراضيها. وعليه، فإن التحدي الذي يواجه المساعي التركية لا يكمن في جمع الأطراف حول طاولة التفاوض بقدر ما يكمن في التوصل إلى صيغة تستجيب للمطالب المتعارضة وتؤسس لمرحلة لا تعود فيها المواجهة العسكرية الوسيلة الأساسية لإدارة الخلافات.
إلا أن هذا المسار الدبلوماسي يتزامن مع تطورات تثير تساؤلات بشأن الاتجاه الذي قد تسلكه الأزمة خلال المرحلة المقبلة، ولا سيما في ضوء التحذيرات الأميركية المتعلقة باحتمال حصول تصعيد بين
السعودية وصنعاء، وما رافقها من تنبيهات بشأن المخاطر الأمنية واضطراب حركة الطيران في المنطقة. وإذا كان تجدد المواجهة اليمنية - السعودية كفيلاً بإثارة مخاوف تتعلق بأمن الملاحة والمنشآت الحيوية في محيط البحر الأحمر والخليج، فإن اتساع نطاق التحذيرات، في حال ارتباطه بهذه المواجهة تحديداً، يفتح المجال أمام قراءة تتجاوز حدود الاشتباك المباشر بين الطرفين.
وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة، فإن أهمية هذه القراءة تزداد مع استمرار التوتر بين
واشنطن وطهران، في ظل تلويحات أميركية بإمكان توسيع العمليات العسكرية ضد
إيران ، الأمر الذي يجعل احتمالات التصعيد في اليمن جزءاً من مشهد إقليمي أكثر تعقيداً. فاندلاع مواجهة جديدة بين صنعاء والرياض قد يتزامن مع تطورات عسكرية في ساحات أخرى، كما أن أي تصعيد أميركي إسرائيلي ضد إيران قد ينعكس على حسابات الأطراف المنخرطة في الأزمة اليمنية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود خطة عسكرية موحدة أو قرار مسبق بتوسيع الحرب.
وترى المصادر أنه في حال اتجهت التطورات نحو مواجهة أوسع، فإن قدرة الأطراف على إبقاء العمليات العسكرية ضمن نطاق جغرافي محدد ستصبح موضع اختبار، خصوصاً مع احتمال امتداد التداعيات إلى الممرات البحرية والمصالح العسكرية والاقتصادية في المنطقة. كما أن انخراط الولايات المتحدة بصورة مباشرة في أي تصعيد جديد قد يغيّر طبيعة المواجهة وحسابات أطرافها، ويجعل احتواءها أكثر صعوبة، في وقت ترتبط فيه خيارات صنعاء العسكرية بالتطورات الإقليمية وبطبيعة العمليات التي قد تستهدف الأراضي اليمنية.
وعلى هذا الأساس، تبرز أهمية التحرك التركي في توقيت تتزايد فيه الحاجة إلى إيجاد مخارج سياسية تحول دون تجدد القتال، وإن كانت فرص نجاحه لا تزال غير واضحة في ظل غياب تفاصيل المقترحات المطروحة ومواقف الأطراف منها. فالتوصل إلى تفاهمات تتناول أسباب الصراع وتراعي الهواجس الأمنية والسياسية للأطراف المعنية قد يساهم في الحد من احتمالات التصعيد، بينما قد يؤدي الاكتفاء بمعالجة مؤقتة إلى إبقاء الأزمة مفتوحة على جولات جديدة من المواجهة.
في المحصلة، يبقى مستقبل المسار اليمني مرتبطاً بقدرة الجهود الدبلوماسية على تحقيق تقدّم فعلي قبل أن تفرض التطورات العسكرية إيقاعاً مختلفاً على المنطقة. فالمواجهة التي قد تبدأ بين صنعاء والرياض لن تكون بالضرورة منفصلة عما يجري في محيطهما الإقليمي، كما أن أي اتساع للصراع الأميركي
الإيراني قد يجعل الوصول إلى تسوية يمنية أكثر تعقيداً. وبين المسارين، ستتحدد أهمية التحركات السياسية الجارية بمدى قدرتها على معالجة الخلافات القائمة، ومنع انتقال الأزمة من مواجهة يمكن احتواؤها إلى صراع تتعدد أطرافه وتتسع تداعياته.