كتبت راجانا
حمية في "الاخبار": لطالما ارتبطت شتلة التبغ في الجنوب بدورة حياة كاملة. فهي بالنسبة إلى مزارعيها العصا التي يتوكأون عليها، ومصدر الرزق الذي يسند عيشهم من موسم قطاف إلى آخر. ولا يتوقف أثرها عند المزارع وحده، بل تمتد دورة المال التي تولّدها إلى آخرين يستفيدون منها: من صاحب الدكان الصغير إلى المدرسة، وصولاً إلى مؤسسة تنتظر بيع موسم التبغ كي تستردّ دينها. هكذا كانت تدور عجلة الحياة في قرى الجنوب التي وجدت في زراعة التبغ ملاذاً من الفقر: يزرعون، يستدينون، يبيعون، ثم يسدّدون ديونهم «ع الموسم». وهو أمر طبيعي في قرى تعتمد حركتها الاقتصادية على ما تنتجه أيدي أهلها. وشتلة التبغ تكاد تكون باب الرزق الأول فيها، لكونها «تؤمّن للعاملين فيها نوعاً من الاستقرار»، يقول طريف سلامة، المزارع والنقابي في الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في
لبنان .
ويُقدَّر عدد العاملين في قطاع زراعة التبغ بعشرات الآلاف. وبحسب الإحصاءات الأخيرة، يبلغ عدد رخص زراعة التبغ في الجنوب نحو 16 ألف رخصة، إلا أن «كل رخصة لا تخص مزارعاً واحداً، وإنما قد يكون هناك أربعة أو خمسة مزارعين، وحتى عائلة كاملة تعمل كلها في القطاع»، بحسب
رئيس اتحاد نقابة العاملين في زراعة التبغ والتنباك في لبنان حسن فقيه. لذلك، فإن التبغ بالنسبة إلى أهل الجنوب يوازي حياة بأمّها وأبيها. وبلغة المزارعين، تحمل شتلة التبغ نحو 70% من مصاريف معيشتهم، فيما تسندها زراعات أخرى صغيرة، كالزعتر والقمح، إلى جانب تربية الأبقار والدواجن وصناعة المؤونة، لتأمين ما تبقى من احتياجات العائلة. ولذلك أيضاً، جاءت خسارة موسم جديد أشبه بنكبة.
قبل أن يجرف العدوان
الإسرائيلي الأراضي الزراعية، كان الجنوب المنتج الأول للتبغ المحلي. وتُقدَّر المساحات التي كانت تُزرع في قراه بنحو 50 ألف دونم، تنتج في مواسم الحصاد الأخيرة قرابة خمسة ملايين كيلوغرام من التبغ المجفف، تتسلّمها سنوياً مؤسسة إدارة حصر التبغ والتنباك
اللبنانية (الريجي)، بقيمة تقارب، بحسب فقيه، «خمسين مليون دولار».
ولا تشبه مواسم التبغ الجنوبية مواسم المناطق الأخرى. فشتلة الجنوب هي «طربونة الحبق»، ويطلق عليها اسم «سعدى ستة»، وهي تنتج أفضل أنواع التبغ وأجودها. ولأنها كذلك، تعتمد «الريجي» عليها في إنتاج السيجارة الوطنية «سيدرز»، إذ إن «جزءاً كبيراً من صناعة هذه السيجارة يأتي من الجنوب بالتحديد»، يقول فقيه. واحتلت «سيدرز»، بجودتها الوطنية، مراتب متقدمة في نقاط البيع، بعدما طوّرت «الريجي» المنتج واستحدثت خطاً جديداً لإنتاجه.
اليوم، لا تقديرات لدى «الريجي» لما يمكن أن يأتي من أراضي الجنوب، في ظل النكبة التي لحقت بالمحاصيل، والتي وصلت إلى نحو 80%. ومع محو قرى كانت أراضيها حاضنة لمواسم التبغ، تشير «الريجي» إلى أن أكثر من 80% من الأراضي لم تُزرع هذا العام.
والنكبة لا تقتصر على الأرض والمحصول. فقد نزح آلاف المزارعين الذين امتهنوا زراعة التبغ من قراهم وبلداتهم. بعضهم لجأ إلى مراكز إيواء، وآخرون إلى مناطق آمنة في الجنوب، لكن أحداً لم يعد قادراً على ممارسة مهنته، «مع فقدان الملاءة المالية بعدما صرفوها في تجهيز الموسم مطلع هذه السنة»، يقول فقيه. ولم يتمكن هؤلاء أيضاً من استئجار أو تأمين أراضٍ في أماكن نزوحهم، بعدما أتت الحرب على أرزاقهم ومدّخراتهم، فوجدوا أنفسهم بلا مواسم وبلا مردود يسند معيشتهم.