لا تبدو العلاقة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة محكومة فقط بالتواصل الدوري واللقاءات المستمرة، بل تنطوي على تباينات تتجاوز حدود اختلاف الأداء أو الخطاب، لتلامس جوهر الصلاحيات الدستورية وآلية إدارة السلطة التنفيذية في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ
لبنان .
في الأوساط النيابية القريبة من رئيس الحكومة نواف سلام، هناك قراءة تتحدث عن تزايد الدور المباشر لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في ملفات يعتبرها هؤلاء من صلب صلاحيات
مجلس الوزراء ورئيس الحكومة، بما يعيد فتح النقاش حول التوازنات التي أرساها اتفاق الطائف ونقل مركز الثقل التنفيذي من رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً.
ويستند أصحاب هذه القراءة إلى مجموعة من الملفات، في مقدمها الاتفاقية الموقعة مع قبرص لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة، فقد جرى توقيع الاتفاق في قصر
بعبدا بحضور
الرئيس عون والرئيس القبرصي، قبل أن تدخل الاتفاقية لاحقاً المسار الدولي للتصديق، فيما ينص
الدستور اللبناني في المادة 52 على أن رئيس الجمهورية يتولى التفاوض في المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على أن لا تُعدّ المعاهدات مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، مع اشتراط موافقة مجلس النواب على فئات محددة منها.
ومن هنا، لا تنظر بعض القوى السنيّة إلى هذه الملفات باعتبارها مجرد اختلاف في طريقة إدارة الصلاحيات، بل باعتبارها مؤشراً إلى مقاربة رئاسية أكثر حضوراً في السياسة التنفيذية، ولا سيما في الملفات ذات الطابع الخارجي والأمني والسيادي، ويتصل الأمر كذلك ب"اتفاق الإطار" والمفاوضات التي انخرط فيها لبنان، والتي باتت من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين مؤسسات الحكم. فقد كان لرئيس الجمهورية دور مركزي في المسار التفاوضي، فيما بقيت الحكومة أمام اختبار كيفية ممارسة دورها في ملف شديد التعقيد، يتصل بالسيادة والأمن والعلاقات الدولية،
وتزداد حساسية هذا المسار في ظل الاعتقاد لدى قوى نيابية سنيّة بأن المرحلة الحالية يجب أن تُدار من خلال المؤسسات الدستورية التي أرسى الطائف توازناتها، لا من خلال إعادة إنتاج نموذج كانت فيه رئاسة الجمهورية صاحبة اليد العليا في القرار التنفيذي، ويستند هذا القلق إلى قراءة تعتبر أن توسيع هامش الحركة الرئاسية في الملفات الأساسية قد يفتح الباب أمام إعادة تفسير تدريجي للتوازن الذي نشأ بعد الطائف.
ولا يتعلق الأمر فقط بالمسائل الدستورية البحتة، بل بالبعد السياسي للطريقة التي تُدار بها الدولة. فحين يصبح رئيس الجمهورية في واجهة ملفات تفاوضية وسيادية كبرى، فيما يبدو دور الحكومة أقل حضوراً في بعض مراحلها، فإن ذلك يثير تلقائياً أسئلة حول مركز القرار الفعلي، وحول حدود الفصل بين دور رئيس الدولة ورئاسة السلطة التنفيذية.
وفي هذا السياق، تبرز رواية سياسية متداولة عن أن دولة إقليمية نصحت الحكومة والقوى السنيّة، عند انطلاق مسار التفاوض، بعدم التقدم إلى الواجهة وترك مسؤولية التفاوض لرئيس الجمهورية، بما يجعله يتحمل بصورة مباشرة تبعات الخيارات التي ستنتج عن هذا المسار، وإذا صحت هذه القراءة، فإنها تفسر جزئياً لماذا لم يتحول الخلاف حول التفاوض إلى مواجهة سنيّة ـ شيعية، بل بقي التوتر الأكبر متركزاً على محور آخر، بين رئيس الجمهورية وحلفائه
المسيحيين من جهة، وحزب الله من جهة ثانية.
ومع ذلك، فإن العلاقة بين بعبدا والسراي لن تصل إلى مستوى القطيعة أو الصدام ، فالاتصالات مستمرة، واللقاءات الدورية تعقد في قصر بعبدا لمتابعة الملفات السياسية والأمنية والحكومية، ومجلس الوزراء ينعقد برئاسة رئيس الجمهورية، لكن خلف هذا الهدوء المؤسساتي، يتقدم نقاش أكثر عمقاً حول شكل السلطة في لبنان، هل يبقى اتفاق الطائف هو المرجعية الناظمة لتوزيع الصلاحيات، أم تبدأ مرحلة جديدة من إعادة تفسير الأدوار الرئاسية والحكومية عبر الممارسة السياسية؟
وهنا تحديداً يكمن جوهر المشكلة، فكلما توسعت الملفات التي يتحرك فيها رئيس الجمهورية بصورة مباشرة اقتناعا منه بدوره وصلاحياته التي كفلها الدستور، ازدادت حساسية بعض القوى السنيّة التي ترى في الطائف خطاً سياسياً ودستورياً لا ينبغي تجاوزه بالممارسة، حتى لو بقيت المؤسسات تعمل ضمن إطارها الرسمي.