على بعد عشرات الأمتار من القرى الجنوبية المدمّرة، يحمل معلّمون وأطفال في "كيبوتس"/ مستوطنة مسغاف عام بالونات بألوان العلم الإسرائيلي، استعدادًا لرأس السنة اليهودية. مدارس مفتوحة، أطفال يحتفلون، وعائلات تحاول استعادة حياتها اليومية. وعلى الجهة الأخرى من الحدود، قرى مهدّمة، عائلات نازحة، طرق مقطوعة، أراضٍ لا يزال الجيش الإسرائيلي يحتل أجزاء منها، وأهالٍ لا يعرفون متى تحين العودة.
صحيح أن الأوضاع في شمال إسرائيل لم تستعد طبيعتها بالكامل، إذ لا يزال سكان مناطق حدودية، وفق تقارير إسرائيلية، يتحدثون عن الحاجة إلى الملاجئ، لكن استئناف الحياة بدأت تتسع منذ مدة. ففي كريات شمونة مثلا، افتُتحت السنة الدراسية الجديدة، رغم أن عدد التلامذة المسجلين في المدينة لا يزال أدنى مما كان عليه قبل الحرب.
أما في جنوب لبنان، فالصورة مؤلمة ومختلفة جذريًا. ففي منتصف أيلول، أفادت "رويترز" بأن أكثر من 300 ألف شخص لا يزالون نازحين، فيما تجاوز عدد الضحايا في حرب 2026 الـ4300. وهنا تبرز مفارقة ترتبط بأحد أبرز عناوين المواجهة التي بدأت في تشرين الأول 2023. فقد جعل "حزب الله" من تعطيل الحياة في شمال إسرائيل ومنع سكانه من العودة إلى منازلهم عنصرًا أساسيًا في خطابه الحربي عن الضغط والردع، اللذين أوهم بهما بيئته. وفي 13 أيار 2024، أعلن الأمين العام السابق حسن نصرالله أن سكان الشمال الإسرائيلي لن يتمكنوا من العودة إلى منازلهم مع بداية السنة الدراسية إذا استمرت الحرب في غزة. يومها، كانت عودة السكان إلى مستوطنات الشمال واحدة من أكثر القضايا ضغطًا على الحكومة الإسرائيلية. أما اليوم، وبعد عامين، فلا حاجة إلى تذكير "الممانعة" بالنتائج.
وتبدو هذه المفارقة أكثر قسوة عند الانتقال إلى ملف التعليم. في إسرائيل، بلغت موازنة وزارة التربية لعام 2026 نحو 97 مليار شيكل، أي نحو 31.9 مليار دولار، فيما أعلنت لجنة التربية في الكنيست أن نحو 2.611 مليون تلميذ سيلتحقون بالمؤسسات التعليمية في السنة الدراسية 2026- 2027، موزعين على 27,757 مؤسسة تعليمية. وتعادل الموازنة نحو 37 ألف شيكل لكل تلميذ، أي نحو 12.2 ألف دولار سنويًا.
في المقابل، تبلغ موازنة وزارة التربية والتعليم العالي اللبنانية لعام 2026 نحو 54.859 تريليون ليرة، أي ما يقارب 613 مليون دولار، على أساس سعر صرف يبلغ 89,500 ليرة للدولار. وتشير "اليونيسف" إلى أن برنامجها لعام 2026 يستهدف دعم نحو 321 ألف تلميذ مسجلين في المدارس الرسمية. و"بحسبة بسيطة" تعادل هذه الموازنة نحو 1,900 دولار لكل تلميذ سنويًا (مقابل نحو 12 ألف دولار للتلميذ في إسرائيل).
ويضاف إلى الفارق في الإمكانات المالية حجم الضرر اللاحق بالبنية التعليمية. في مسح أجرته وزارة التربية والتعليم العالي بدعم من "اليونيسف"، ونُشر في أيلول 2026، شمل 1,089 مرفقًا تعليميًا، وأظهر تضرر 436 مرفقًا وتدمير 37 منها بالكامل منذ تصاعد الأعمال العدائية في 2 آذار. وفي تموز، كانت "اليونيسف" قد حذرت من أن ما لا يقل عن 100 ألف طفل قد يبدأون السنة الدراسية من دون صفوف إذا لم تُرمَّم المدارس المتضررة في الوقت المناسب. أما في إسرائيل، فأعلنت وزارة التربية أن المؤسسات التعليمية في الشمال عادت إلى التعليم المنتظم، باستثناء حالات محدودة، وأن 19 مؤسسة تعليمية تضررت خلال الحرب، أُصلحت جميعها باستثناء مركز للرعاية النهارية في نهاريا، نُقل إلى موقع بديل.
والأقسى أن مدارس لبنانية عدّة، فقدت وظيفتها الأساسية. فالمدرسة، التي تُعدّ من أبرز مصانع الحياة والمستقبل، تحوّلت إلى مركز إيواء يحتضن من سلبتهم حروب "حزب الله" أبسط بديهيات الحياة. ومع انطلاق السنة الدراسية الجديدة، لا تزال تداعيات النزوح تضغط مباشرة على القطاع التعليمي. وحتى مطلع أيلول، كانت نحو 80 مدرسة رسمية لا تزال تُستخدم مراكز للنازحين، وكان متوقعًا أن يتمكن نحو نصفها فقط من استئناف التدريس، فيما بقيت مدارس أخرى أمام خيارات تتراوح بين الإقفال والتعليم البديل واستمرار استقبال العائلات النازحة. وفي 11 أيلول، أكدت وزارة التربية أن أوضاع المدارس وخيارات التعليم الحضوري تُراجع يوميًا تبعًا للتطورات الأمنية وتحديثات مراكز الإيواء.