ما فارقت الأباتي بولس نعمان يومًا. كنت أستغنم كل ثانية وهو بقربي. أسئلة كثيرة عن التاريخ، عن الموارنة، عن الحرية، وعن لبنان…
كنا نجلس سويًا في مكتبه، وكان الوزير السابق قيصر نصر، الذي كان بدوره نائبًا لرئيس جامعة الروح القدس – الكسليك، يتحدثان، فأتّعظ عن أسرار الحرب.
«ما هو أصعب شعور مررت به؟» سألت.
قال: «تهجير الدامور. لقد امتلأت الجامعة بالمهجّرين من نساء وعجزة وأطفال… إنها الكارثة!»
عن حرب الجبل أجاب: «كان على الرئيس أمين الجميل أن يوقّع الاتفاق. لو وقّعه، لما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.»
وهو يحدثني عن أخطاء البعض وبطولات آخرين، كانت مقلتاه لا تفارقان مباني الجامعة.
«هي الأساس، هي المقاومة، ومن أديرتها تنبع وتطفو…»
أتيته بفكرة، وأنا الذي كانت تربطني علاقة عميقة بالدكتور إدمون نعيم، الحاكم السابق للمصرف المركزي، والذي كان منزله في الرابية يحتوي على أكبر مكتبة حقوقية.
قال: «ما هي فكرتك؟»
أجبته: «دعني أقنع الدكتور نعيم بوهب مكتبته لجامعة الكسليك، ونطلق على كلية الحقوق اسمه.»
ردّ الأبّاتي بسرعة: «هيا، انطلق.»
استغرق إقناع صديقي الدكتور نعيم أكثر من ثلاثة أشهر. أخيرًا وافق، بالرغم من اعتراض زوجته ذات الأصول الألمانية.
وما إن أردنا البدء بعملية التحضير، حتى تعرّض الدكتور نعيم لكسر في حوضه أثناء عملية تشحيل شجرة داخل حديقته في الرابية.
أخذت الأباتي نعمان والوزير نصر بسيارتي لنطمئن عليه داخل المستشفى. لكن شاءت الصدف أن تتدهور حالته الصحية، وفارق الحياة.
كانت نكسة بالنسبة لنا جميعًا، وخاصةً لحافظ المكتبة الأب جوزيف مكرزل.
وأنت جالس مع الكبار، لا تعلم من أين تأتيك الأفكار.
قال: «هات.»
قلت له: «لماذا لا تقوم الجامعة بشراء منزل الرئيس شهاب في جونية وتحوله إلى كلية للعلوم السياسية؟ وقصر الرئيس بشارة الخوري، الذي تمتلك عقاره، تقوم بترميمه، وتشتري منزل الرئيس الحلو، الذي كان أيضًا مطروحًا للبيع.
وهكذا تستحوذ الجامعة على منازل أهم ثلاثة رؤساء جمهورية…»
انبهر بالفكرة، لكن شاءت الرياح أن تجري بما لا تشتهي السفن…
وسفينتنا والأبّاتي مرّت بصعاب وعتاب…