خمسة أشهر كانت كافية لتعيد كلفة المعيشة المتفاقمة رسم خريطة الإنفاق اليومي للبنانيين. من الوقود والنقل إلى الغذاء والاستشفاء والتعليم والخدمات، لم تترك موجة الغلاء جانبًا من حياة اللبنانيين إلا ومسّته. لكن اللافت ليس ارتفاع الأسعار بحد ذاته، بل حجم الزيادات التي سجلتها بعض السلع الأساسية خلال فترة قصيرة، مع قفزات تقترب من 45% في الطاقة والنقل... كيف اجتاح الغلاء جيوب اللبنانيين وأفرغها؟
لم تعد الضغوط المعيشية محصورة في كلفة البنزين أو فاتورة النقل، بل تسللت إلى يوميات اللبناني بكل تفاصيلها، من الصحة إلى التعليم إلى الخدمات الترفيهية والرياضية، باختصار إلى يومياته. كل ذلك، وراتب اللبناني في مكانه، إن لم يشهد حسمًا عليه من ربّ العمل الذي يعاني من بطء العجلة الاقتصادية.
في هذا السياق، سألت "نداء الوطن" إدارة الإحصاء المركزي، التي تصدر تقارير دورية عن نسب التضخم في لبنان، فتبين من الأرقام التي زوّدتنا بها المديرة العامة لإدارة الإحصاء المركزي ماريا نالبنديان أن أكبر الصدمات جاءت من ارتفاع أسعار الطاقة. فقد قفز سعر الوقود السائل نحو 45% بين شهري شباط وتموز، أي خلال خمسة أشهر فقط والوقود الصلب تضخّم بنسبة 12%. فيما ارتفعت أكلاف النقل البري 42%، وبلغت الزيادة في وقود وزيوت وسائل النقل 40%.
بمعنى آخر، سواء استخدم اللبناني سيارته الخاصة أم وسيلة نقل، فإن فاتورة انتقاله ارتفعت بشدة. ولا تنتهي الكلفة عند تعبئة خزان الوقود، إذ زادت خدمات صيانة وتصليح وسائل النقل وغيار الزيت وغسيل السيارة 15%، وخدمات أخرى مرتبطة بالنقل، مثل اشتراك موقف سيارة أو إيجار كاراج شهري أو استئجار سيارات النقل من دون سائق، 24%، فيما سجل النقل الجوي زيادة بنسبة 25%.
وهنا تكمن خطورة ارتفاع كلفة النقل: فهو لا يبقى محصورًا في الطريق، بل ينتقل إلى السلعة التي تحتاج إلى نقل، وإلى الخدمة التي يدخل الوقود في كلفتها، ما يجعل أثره قابلًا للانتشار في معظم جوانب الاقتصاد.
اللحم والخبز والفواكه أغلى
وعلى رفوف السوبرماركت، بالنسبة إلى السلع الغذائية، تبدو الزيادات أقل من تلك المسجلة في المحروقات، لكنها أكثر التصاقًا بالحياة اليومية.
فقد ارتفعت أسعار اللحوم، استنادًا إلى أرقام إدارة الإحصاء المركزي، 13%، والفواكه 11%، والخبز والحبوب 10%. كما زادت أسعار المياه المعدنية والمشروبات غير الكحولية وعصائر الفاكهة والخضار نحو 9%.
وهذه ليست سلعًا كمالية يستطيع المستهلك شطبها بسهولة. لذلك، فإن ارتفاعها يضغط مباشرة على العائلات، وخصوصًا تلك التي تستنزف المواد الغذائية أصلًا جزءًا كبيرًا من دخلها. حتى المطاعم والمقاهي لم تبقَ على أسعارها، إذ ارتفعت خدماتها 11%، ما يعكس امتداد ارتفاع الكلفة إلى قطاع الخدمات الغذائية أيضًا.
بالنسبة الى الممتلكات الشخصية الأخرى والتي تتناول حقائب اليد والمحفظات والحلي للزينة غير الثمينة والنظارات الشمسية وأكسسوارات للمدخنين من قداحة الى علية سجائر الى سلع مشتراة عند دفن الموتى...، فقد زادت بدورها بنسبة 10%.
المرض أكثر كلفة
لكن الوجه الأقسى للغلاء يظهر عندما يصل إلى الصحة. فقد قفزت خدمات الاستشفاء 16% بين شباط وتموز، فيما زادت خدمات أطباء الأسنان نحو 10%، والخدمات الطبية الأخرى 10%.
والفارق هنا أن المواطن يستطيع تأجيل شراء سلعة أو الاستغناء عن خدمة، لكنه لا يملك دائمًا ترف تأجيل العلاج أو دخول المستشفى. لذلك، فإن ارتفاع كلفة الاستشفاء 16% خلال فترة قصيرة يحمل وزنًا اجتماعيًا أكبر بكثير من مجرد النسبة المسجلة على الورق.
التعليم والترفيه تحت الضغط
بدوره، دخل الغلاء في قطاع التعليم، فقد قفزت أسعار البرامج التعليمية الأخرى، مثل الدروس الخصوصية والدورات في المعاهد الخاصة، كومبيوتر ولغات... 19%، لتضيف عبئًا جديدًا إلى ميزانية الأسر التي تتحمل أصلًا تكاليف دراسية متزايدة.
أما الخدمات الثقافية، مثل السينما والمسرح والحفلات الموسيقية والمهرجانات واشتراك الديش في الحي وخدمات المصورين، مثل تظهير الأفلام وتكبير الصور، فارتفعت 26%. يبقى الموظفون الذين يخدمون في المنازل هؤلاء زادت تسعيرتهم بنسبة 6%.
أما الخدمات الرياضية والاستجمامية، كالاشتراك في الأندية الرياضية ودخول المسابح والملاعب الرياضية والتزلّج ومدن الملاهي والدروس الرياضية خارج المدرسة... فزادت بنسبة 13% والعطلات المنظمة 15%.
كذلك، وفق أرقام إدارة الإحصاء المركزي، تضخّمت خدمات تصفيف الشعر ومؤسسات التجميل نحو 15%، بما يؤكد أن الزيادة في الأسعار تجاوزت الضروريات لتشمل طيفًا واسعًا من الاستهلاك والخدمات.
الراتب نفسه... والفاتورة أكبر
الخلاصة التي ترسمها الأرقام بسيطة وقاسية في آن واحد: خلال خمسة أشهر، أصبح اللبناني يدفع أكثر كي يتنقل، ويأكل، ويتعالج، ويتعلم.
إذاً، اللافت في مسيرة التضخم التي شهدتها الكلفة المعيشية اليومية للمواطن اللبناني، كما ذكرناها آنفًا، تسجيل النسب الأعلى في مجال الطاقة والنقل: 45% للوقود السائل، و42% للنقل البري، و40% لوقود وزيوت وسائل النقل. أي أن نقطة انطلاق موجة الضغط تقع في واحدة من أكثر الكلف تأثيرًا في بقية الاقتصاد.
هذه النسب لا تعني أن معدل التضخم العام بلغ المستويات نفسها، فهي تقيس تغير أسعار سلع محددة بين شباط وتموز 2026. لكنها تكشف شيئًا ربما يكون أكثر أهمية بالنسبة إلى المواطن: السلع والخدمات التي يحتاج إليها كل يوم أصبحت أغلى، وبعضها أغلى بكثير، فيما ملف تصحيح الرواتب لمواكبة التضخّم يبدو معقداً، والطريق امامه غير معبّد، لأن الاقتصاد في حال انكماش، بسبب الحروب الداخلية والاقليمية، والمؤسسات عاجزة عن تعويض التضخّم على الموظفين عبر تصحيح رواتبهم.