آخر الأخبار

حزب الله والحكومة… اختبار القوة السياسية

شارك
فرضت الحرب على لبنان انقساماً سياسياً حاداً تجاوز الخلاف التقليدي بين القوى اللبنانية ، وأعاد ترتيب الخطاب الداخلي على وقع المواجهة مع إسرائيل . ومع اتساع رقعة الاعتداءات وارتفاع كلفتها، انتقلت المعركة سريعاً إلى الداخل، حيث احتلّ سلاح " حزب الله " وقراراته ومسؤوليته السياسية مساحة واسعة من النقاش ، فيما باتت مقاربة الحرب نفسها محكومة إلى حد بعيد بموقع كل طرف من "الحزب".

ولم يتوقف هذا المسار عند محاسبة "حزب الله" على قرار فتح الجبهة ومسار إدارتها، وهو نقاش سياسي مشروع، بل ذهب لدى بعض خصومه إلى تحميله مسؤولية تكاد تختصر الحرب ونتائجها. فالدمار والنزوح والخسائر البشرية، وحتى استمرار الاحتلال في الجنوب، تحولت في جزء من السجال الداخلي إلى عناصر اتهام لـ"الحزب" وإثبات لفشل خياره، فيما تراجعت في المقابل مسؤولية إسرائيل المباشرة عن القصف والاحتلال واستمرار الاعتداءات. وبذلك، لم تعد المواجهة الداخلية تدور فقط حول قرار الحزب وسلاحه، بل امتدت إلى تفسير نتائج الحرب نفسها، وصولاً إلى مشهد سياسي طغت فيه محاكمة خيارات "حزب الله" على تحميل إسرائيل مسؤولية عدوانها على لبنان.

وبدت حدة هذا الانقسام أكثر وضوحاً خلال جلسة مناقشة الحكومة في مجلس النواب، وذلك من حيث اللغة التي حكمت النقاش بين القوى السياسية، حيث رفعت السجالات والاتهامات المتبادلة منسوب التوتر داخل القاعة، وأظهرت أن الخصومة تجاوزت في بعض محطاتها حدود الاشتباك السياسي المعتاد، بما يطرح مسألة أعمق تتعلق بمستوى الاحتقان الذي بات يحكم العلاقة بين هذه القوى وانعكاسه على الشارع.

وفي صلب هذا السجال، برز الخلاف حول ترتيب الأولويات في مقاربة ملف السلاح. فالقوى المؤيدة لمسار الحكومة تعاملت مع حصرية السلاح باعتبارها مدخلاً لبسط سلطة الدولة، فيما ربط خصوم هذا المسار معالجة الملف باستمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية وغياب الضمانات المتعلقة بالجنوب. وبذلك، لم يعد الخلاف محصوراً بتوقيت معالجة السلاح أو آليتها، بل بات يشمل نقطة البداية نفسها، وما إذا كانت الأولوية لمعالجة السلاح في الداخل أم لإنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات.

ويطرح هذا المستوى من التشنج مسألة انعكاسه على القواعد الشعبية، في ظل استقطاب سياسي قائم أصلاً بين اللبنانيين. فكلما ارتفع سقف الخطاب وتقدمت الاتهامات المتبادلة على النقاش السياسي، ازدادت المخاوف من انتقال هذا الاحتقان إلى الشارع، خصوصاً أن الملفات موضع الخلاف ترتبط بقضايا شديدة الحساسية، من السلاح والحرب إلى السيادة ومستقبل الجنوب. وما أظهرته الجلسة، من شأنه أن يفتح نقاشاً يتجاوز العلاقة بين القوى داخل المجلس، إلى قدرتها على إدارة خلافاتها من دون أن تتحول إلى مصدر توتر إضافي بين جمهورها.

وضمن هذا الانقسام، تبرز علاقة "حزب الله" بالحكومة بوصفها واحدة من أكثر نقاط الخلاف حساسية، ولا سيما أن "الحزب" رفع سقف اعتراضه على مقاربتها لملف السلاح واعتبر مسارها استهدافاً للمقاومة. إلا أن هذا الاعتراض اتخذ مساراً مختلفاً عند التصويت على الثقة، إذ غادر نواب كتلة "الوفاء للمقاومة" القاعة قبل التصويت، بدلاً من البقاء وحجب الثقة عن الحكومة التي نالت الثقة مجدداً.

وهنا تتسع المسافة بين سقف موقف "الحزب" من الحكومة وبين حدود تحركه داخل المجلس، إذ إن المسألة لا ترتبط بقدرة أصوات كتلته على إسقاط الحكومة حسابياً، بقدر ما ترتبط بالدلالة السياسية للموقف منها. فـ"الحزب" الذي يرفض خيارات أساسية تتبناها الحكومة، وخصوصاً في ملف السلاح، لم ينقل هذا الرفض إلى مواجهة نيابية تصل إلى حجب الثقة عنها، ما أبقى اعتراضه حتى الآن ضمن سقف سياسي محدد.

وعليه، تتجه الأنظار إلى المسار الذي ستسلكه العلاقة بين "حزب الله" والحكومة في المرحلة المقبلة، ولا سيما مع بقاء ملف السلاح في صلب الخلاف بينهما. فاستمرار الحكومة في قراراتها، مقابل إبقاء "الحزب" اعتراضه ضمن السقف السياسي والنيابي الحالي، يعني استمرار المواجهة من دون تعديل في موازينها. أما رفع مستوى الاعتراض، فيفتح الباب أمام خيارات ضغط تتجاوز المواقف داخل المؤسسات، ويعيد إلى الواجهة احتمال اللجوء إلى الشارع كإحدى أدوات المواجهة السياسية.

غير أن نقل المواجهة إلى الشارع يغيّر طبيعة الصراع وحدوده، إذ ينقل الضغط من المؤسسات إلى قواعد سياسية وشعبية تعكس بدورها حجم الانقسام القائم في البلد، بما يرفع احتمالات التوتر ويجعل ضبط مسار أي تحرك أكثر تعقيداً. أما إبقاء المواجهة تحت سقف المؤسسات، فلا يعالج جوهر الخلاف ما دامت الحكومة متمسكة بمسارها في ملف السلاح، و"حزب الله" متمسكاً برفضه. وبين المسارين، تبقى العلاقة مفتوحة على تصعيد سياسي متدرج أو على تسوية تعيد تنظيم الخلاف، فيما يصعب استمرار المعادلة الحالية من دون أن يفرض أحد الطرفين تعديلاً في مقاربته.

وبمعزل عن الاشتباك الذي طغى على جزء واسع من الجلسة بين "حزب الله" وخصومه، برزت مداخلات قليلة اختارت مساراً مختلفاً في مساءلة الحكومة، بعيداً عن رفع الصوت وتبادل الاتهامات. إذ واجهت رئيس الحكومة بمنطق الدولة، واستندت إلى القانون والدستور لمناقشة قرارات السلطة وحدود صلاحياتها ومسؤولياتها، ونجحت في نقل النقاش إلى أرضية قانونية وضعت أداء الحكومة ورئيسها أمام مساءلة من نوع مختلف.

ومن هذه الزاوية تحديداً، يبرز أداء الرئيس نواف سلام، الآتي إلى رئاسة الحكومة من خلفية قانونية ارتبطت بمحكمة العدل الدولية. ففي جلسة خُصصت لمساءلة حكومته، كان من المفترض أن يتولى سلام تثبيت مقاربة حكومته من داخل القانون والدستور، وأن يقدّم الأجوبة التي يسند بها قراراتها وحدود صلاحياتها. إلا أن المشهد جاء معكوساً، مع نواب تولوا محاججته بالنصوص الدستورية والقانونية، فيما بقي رئيس الحكومة في موقع الدفاع عن قراراته من دون أن يحسم بالنصوص نفسها الإشكاليات التي وُضعت أمامه.

وفي المحصلة، من الواضح أن المشكلة لا تكمن في حجم الخلاف بين القوى السياسية فحسب، بل في غياب أي مسار قادر حتى الآن على تحويله إلى تسوية قابلة للحياة. ومع اتساع المسافة بين المواقف، تصبح إدارة هذا الخلاف أكثر تعقيداً، خصوصاً أن أياً من الملفات المطروحة لا يبدو قريباً من الحسم، فيما لا يملك أي طرف القدرة على فرض مقاربته كاملة على الآخرين. وبذلك، يبقى لبنان رهين أزمة سياسية مفتوحة، لا يحسمها رفع سقف المواجهة ولا يؤجلها تجاهل أسبابها، فيما تصبح الحاجة إلى تسوية سياسية أكثر إلحاحاً كلما بات التفاهم على قواعد مشتركة لإدارة المرحلة أكثر صعوبة.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا