جدّد مجلس النواب ثقته بحكومة الرئيس نواف سلام ، بـ68 صوتاً مقابل 12 نائباً حجبوا الثقة، فيما امتنع نائبان عن التصويت، لتنهي الحكومة جلسة المساءلة الطويلة محتفظة بالأكثرية النيابية، بعد يومين من النقاشات والسجالات التي تجاوزت أداء الحكومة إلى ملفات السيادة وحصرية السلاح والتفاوض ومستقبل الجنوب .
وجاءت النتيجة بعد مداخلات 59 نائباً، فيما اتخذ التصويت بعداً سياسياً لافتاً مع انسحاب نواب " حزب الله " من القاعة قبل الاقتراع وعدم مشاركتهم فيه، في مقابل تصويت نواب حركة "أمل" لمصلحة الحكومة. وبذلك، ظهر تمايز داخل "الثنائي الشيعي" في لحظة التصويت، بعدما كان الطرفان قد التقيا في انتقاد عدد من سياسات الحكومة خلال الجلسة .
وكانت الجلسة شهدت أكثر من مواجهة كلامية، أبرزها الإشكال بين نواب "الوفاء للمقاومة" والنائب أشرف ريفي، على خلفية ملف النزوح السوري ودور "حزب الله" في الحرب السورية، ووجه الطرفان الى بعضهما البعض كلاماً قاسياً.
وفي رده على النواب، دافع سلام عن مسار التفاوض، مؤكداً أن المفاوضات لم تنتهِ بعد، رغم استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وعدم الانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية، إضافة إلى استمرار احتجاز أسرى لبنانيين وعدم تمكن عدد من الأهالي من العودة إلى بلداتهم .
واعتبر أن المطلوب ليس الاكتفاء بانتقاد نتائج المسار الدبلوماسي، بل طرح بديل قادر على وقف الاعتداءات وتحرير الأرض وإعادة الأسرى والمهجرين بكلفة أقل على لبنان واللبنانيين .
وربط سلام قوة لبنان التفاوضية بتعزيز الوحدة الوطنية وتمكين الجيش وحصر السلاح بيد الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية. في المقابل، ركز نواب "حزب الله" وحلفاؤهم على أن قدرة الدولة على حماية لبنان تبقى موضع سؤال في ظل استمرار الاعتداءات والاحتلال، وفي غياب قدرات ردع يعتبرونها ضرورية .
وكان مجلس النواب استكمل جلسة مناقشة الحكومة التي كان قد بدأها الثلثاء، لكن الجلسة الثانية لم تكن مجرد استكمال تقني لمداخلات النواب، إذ أعادت السجالات السياسية الحادة إحياء الملفات الأكثر حساسية في البلاد، وفي مقدمها سلاح " حزب الله "، وحصرية السلاح بيد الدولة، والوضع في الجنوب واتفاق الإطار والمفاوضات مع إسرائيل ، فيما حضرت الملفات الاقتصادية والتنموية والمعيشية في جانب أساسي من المداخلات .
ومنذ الدقائق الأولى، بدا أن الجلسة ستكون امتداداً سياسياً لجلسة الثلثاء، بعدما افتتحها سجال بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والنائب سجيع عطية على خلفية مقاطعة كلمة الأخير، قبل أن تتوالى المداخلات التي رفعت سقف النقاش .
وسرعان ما انتقل النقاش إلى الجنوب و اتفاق الإطار . ففي مداخلة النائب أنطوان حبشي، اعتبر أن الاتفاق يصبح أفضل إذا جرى تعزيز موقع المفاوض اللبناني، منتقداً عدم تسليم أنفاق علي الطاهر إلى الجيش، وداعياً إلى وقف تغيير المعالم في الجنوب وإعطاء الجيش أوامر سياسية واضحة لتنفيذ مهمته. كلام حبشي استدعى رداً من بري الذي طلب منه "وزن كلامه"، قبل أن يدخل نواب "حزب الله" على خط السجال، إذ ردّ إيهاب حمادة بأن الحديث عن شراء السلاح وتقوية الجيش لا يعالج حقيقة ما جرى، فيما قال إبراهيم الموسوي إن الجيش "طُرد من المنصوري" داعياً إلى تسليحه .
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فعند مداخلة النائب ميشال معوّض، اندلع سجال حاد بينه وبين نواب "حزب الله"، ولا سيما إيهاب حمادة، قبل أن يدخل زياد حواط على خطه. وارتفعت حدة الكلام بعدما اتهم حمادة خصومه بالكذب، فيما رد حواط معتبراً أن الكلام يطال الجميع، وطالباً من نواب الحزب وقف العنتريات ليتطور الأمر إلى تبادل اتهامات داخل القاعة وتدخلات نيابية حالت دون استمرار السجال .
واحتدم النقاش لاحقاً بين النائب وضاح الصادق والنائب حسين الحاج حسن على خلفية كلام عن الجهة التي "تقدم الهدايا لإسرائيل". وتبادل الطرفان عبارات حادة، واتهامات متبادلة بالعمالة قبل أن يتدخل بري لحسم السجال. ومع انتهاء كلمة الصادق، رفع رئيس المجلس الجلسة إلى السادسة مساءً، وسط اعتراض بعض النواب الذين طالبوا بتمديدها نصف ساعة إضافية .
وفي موازاة السجالات، حملت المداخلات السياسية رسائل واضحة في اتجاهين. فنواب من القوى السيادية والتغييرية ركزوا على ضرورة تنفيذ قرارات الحكومة المتعلقة بحصرية السلاح وبسط سلطة الدولة، فيما ركز نواب "حزب الله" وحلفاؤه على اتفاق الإطار والموقف اللبناني من المفاوضات والوضع في الجنوب .
وقال النائب غسان حاصباني إن الحكومة اتخذت "قرارات تاريخية لحصر السلاح بيد الدولة"، لكن السؤال، برأيه، لم يعد ماذا قررت الحكومة بل ماذا نفذت، مشيراً إلى أن تطبيق القرار لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يشمل ضبط الحدود والمعابر ومنع إدخال السلاح وتخزينه .
في المقابل، قال النائب هاني قبيسي إن "المفاوضات لم تنفع"، داعياً الحكومة والدولة إلى اتخاذ موقف مختلف، ومشدداً على أن الجنوب يحتاج إلى تضامن وطني، فيما رفضت النائبة حليمة قعقور أن تفاوض إيران عن لبنان، مؤكدة أن "لبنان هو من يفاوض عن نفسه"، لكنها في الوقت نفسه تمسكت بحصرية السلاح وقرار الدولة .
أما اقتصادياً واجتماعياً، فحضرت الكهرباء والموازنة والاستثمارات وأموال المودعين والسجون وقانون العفو العام بقوة. ولفت سجيع عطيّة إلى تفاوت أداء الوزراء، معتبراً أن الكهرباء معيار أساسي للحكم على أداء الحكومة، فيما دعا فريد البستاني إلى موازنة مبنيّة على أرقام واقعية ورؤية اقتصادية طويلة الأمد. وحذر ملحم الرياشي من التداعيات الاجتماعية للأزمة، متحدثاً عن "ثورة الجياع " .
وفي ملف السجون، دعا مروان حمادة المجلس الدستوري إلى الإسراع في البت بقانون العفو العام، محذراً من استمرار سقوط الموقوفين في رومية، فيما حذر أشرف ريفي من انفجار الوضع في السجون إذا لم يُقر القانون .
وفي المواقف الخاصة بـ"النهار"، حذر ريفي الحكومة من أن تؤدي الإجراءات المالية الضاغطة إلى خسارة الموظفين والكادحين وأصحاب الدخل المحدود، وقال إن هذه الفئات تشكل بيئتها الحاضنة، داعياً في المقابل إلى تنفيذ البيان الوزاري بسرعة وحزم، خصوصاً في ملف حصر السلاح، ومشدداً على أن الشرعية للدولة وليست لـ"حزب الله " .
أما بيار بو عاصي، فرأى أن معالجة الكهرباء والأزمات الاقتصادية تبقى مستحيلة في ظل غياب الاستقرار واستمرار السلاح خارج سلطة الدولة، مؤكداً أن القطاع الخاص يحتاج إلى الاستقرار والضمانات قبل أن يستثمر. وقال لـ«النهار» إن غياب التغيير الفعلي في ملف السيادة وحصر السلاح يسهم في استمرار غياب الاستثمارات والازدهار .
بدوره، أكد زياد حواط لـ"النهار" أن أحداً لا يمكن أن يكون راضياً بالكامل عن أداء الحكومة، لكنه شدد على أهمية القرارات التي اتخذتها للمرة الأولى في اتجاه بسط سلطة الدولة وحصر السلاح، معتبراً أن هذه القرارات تشكل أساساً يمكن البناء عليه .
وهكذا، خرجت جلسة اليوم من إطار مساءلة الحكومة عن أدائها الوزاري إلى مساحة أوسع لاختبار الانقسام السياسي حول المرحلة المقبلة: كيف تُنفذ قرارات حصرية السلاح؟ كيف يتعامل لبنان مع الجنوب واتفاق الإطار؟ وكيف يمكن في الوقت نفسه معالجة الكهرباء والاقتصاد والرواتب وأموال المودعين؟ أسئلة بقيت مفتوحة، فيما كانت السجالات تحت قبة البرلمان تختصر إلى حد كبير حجم التباعد السياسي حول الإجابات .
المصدر:
النهار