آخر الأخبار

ميشال عون أمام إشكالية دستورية.. هل تستطيع النيابة العامة اتهام رئيس سابق؟

شارك
لم يعد السؤال في قضية انفجار مرفأ بيروت ، في رأي مراجع قضائية، مقتصرًا على المسؤوليات السياسية والقضائية عن كارثة 4 آب 2020، بعدما دخل اسم الرئيس السابق ميشال عون مباشرة في مسار التحقيق، مع طلب النيابة العامة التمييزية توجيه الاتهام إليه على خلفية معرفته المسبقة بوجود نيترات الأمونيوم وخطورتها، وعدم اتخاذ الإجراءات التي كان يفترض اتخاذها، وفق مصدر قضائي.


لكن قبل الدخول في مضمون الاتهام، تبرز مسألة دستورية لا تقل أهمية عن أصل الملف، وتتعلق حصرًا بالجهة التي يحق لها اتهام رئيس الجمهورية، حاليا كان أم سابقًا.


المادة 60 من الدستور اللبناني تبدو واضحة في رسمها لهذه الآلية. فهي تنص على أن رئيس الجمهورية لا يكون مسؤولًا أثناء قيامه بوظيفته إلا في حال خرق الدستور أو الخيانة العظمى، فيما تخضع مسؤوليته عن الجرائم العادية للقوانين العامة. إلا أن المادة نفسها تضيف أن رئيس الجمهورية لا يمكن اتهامه، سواء بسبب الجرائم العادية أو خرق الدستور أو الخيانة العظمى، إلا من قبل مجلس النواب، بقرار يصدر بأغلبية ثلثي مجموع أعضائه، على أن يحاكم أمام المجلس الأعلى المنصوص عليه في المادة 80. وهنا تحديدًا تبدأ الإشكالية.


فهل تنتهي هذه الحماية الدستورية بانتهاء ولاية الرئيس، أم أن صفة "رئيس الجمهورية" التي يتحدث عنها النص تبقى مرتبطة بالفعل الذي ارتُكب أثناء ممارسة الولاية، بحيث لا يستطيع القضاء العادي تجاوز الآلية الدستورية حتى بعد مغادرة الرئيس قصر بعبدا ؟


الدستور، في مادته 61، يتحدث عن الرئيس "عندما يُتهم" ويحدد أثر الاتهام على سدة الرئاسة، وهو ما يفتح بابًا للنقاش حول وضع الرئيس السابق تحديدًا. لكن المادة 60 نفسها لا تضع في نصها تمييزًا صريحًا بين الرئيس أثناء ولايته والرئيس السابق عندما تكون الأفعال موضوع الملاحقة قد ارتُكبت خلال توليه الرئاسة. من هنا تصبح المسألة أبعد من شخص ميشال عون.


فإذا كانت المادة 60 تعني أن مجلس النواب هو الجهة التي تملك حصراً قرار اتهام رئيس الجمهورية عن الأفعال المشمولة بالنص الدستوري، فإن السؤال يصبح: ما القيمة القانونية لطلب النيابة العامة التمييزية توجيه الاتهام مباشرة إلى رئيس سابق؟ هل هو طلب اتهام بالمعنى الدستوري، أم طلب قضائي ضمن مسار التحقيق يمكن أن يتوقف عند حدود الصلاحية الدستورية؟


وهذا التفصيل ليس شكليًا. فالمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء ليس محكمة عادية، والدستور رسم له اختصاصًا خاصًا في محاكمة رئيس الجمهورية، فيما تؤكد مصادر قانونية رسمية أن الجرائم المنسوبة إلى رئيس الجمهورية، بما فيها الجرائم العادية، تدخل ضمن الآلية الخاصة التي حددتها المادة 60.


لكن في المقابل، فإن مضمون الاتهام نفسه لا يصبح بلا قيمة لمجرد وجود إشكالية في الجهة التي توجهه. فإذا ثبتت، وفق التحقيقات، معرفة الرئيس السابق بخطورة المواد الموجودة في المرفأ وعدم اتخاذ الإجراءات المناسبة، فإن ذلك يبقى عنصرًا جوهريًا في تحديد المسؤوليات السياسية والقانونية، مع بقاء إثبات المسؤولية وتحديد الجهة الصالحة للملاحقة والمحاكمة مسائل منفصلة يجب عدم الخلط بينها. والأهم أن هذه القضية تضع القضاء أمام اختبار دستوري دقيق. فهل يبدأ التحقيق من السؤال عن المسؤولية، أم من السؤال عن الصلاحية؟


بدوره، أوضح الخبير الدستوري سعيد مالك أن ما يُتداول بشأن مسؤولية الرئيس السابق ميشال عون في قضية انفجار مرفأ بيروت لا يزال، حتى الآن، في إطار الأخبار المتناقلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، مؤكداً أنه لا يمكن إعطاء جواب قانوني واضح قبل صدور القرار الظني أو الاتهامي عن المحقق العدلي القاضي طارق البيطار.


وقال مالك إنه في حال ثبوت وجود مسؤولية وتوجيه اتهام إلى عون، فإن ملاحقته لا يمكن أن تجري وفق الآليات القضائية العادية، نظراً إلى كونه رئيساً سابقاً للجمهورية.


وأشار إلى أن المادة 60 من الدستور تنص، وفق تفسيره، على أن محاكمة رئيس الجمهورية، حتى في الجرائم العادية، تحصل أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.


وذكر أنَّ بدء المسار يتطلب تقديم طلب اتهام من خُمس عدد النواب على الأقل، أي 26 نائباً، على أن يُعرض على مجلس النواب ويُقرّ بأكثرية الثلثين، قبل إحالته إلى المجلس الأعلى ولجنة التحقيق المختصة.


وختم مالك بالتشديد على أن النيابة العامة لا تستطيع ملاحقة رئيس الجمهورية السابق أو الادعاء عليه كأي شخص آخر، معتبراً أن الدستور واضح في تحديد المرجع المختص وآلية المحاكمة.


إذاً، العدالة في ملف المرفأ لا تعني فقط الوصول إلى أسماء المسؤولين، بل تعني أيضًا أن تتم ملاحقتهم وفق الأصول التي يفرضها الدستور والقانون. وإلا تحوّل المسار القضائي نفسه إلى مادة لنزاع دستوري جديد. لذلك، فإن التطور الأخير لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره فتحًا لمسار اتهام بحق رئيس سابق، بل باعتباره اختبارًا للحدود الفاصلة بين القضاء العادي والآليات الدستورية الخاصة بمساءلة الرؤساء.


وفي حالة ميشال عون تحديدًا، قد لا يكون السؤال الأكثر دقة حول صوابية اتهامه أم لا، لنصل إلى سؤال آخر يسبق السؤال الأل: هل تملك النيابة العامة أصلًا صلاحية توجيه الاتهام، أم أن الدستور جعل هذه الخطوة حصرًا بيد مجلس النواب؟


في هذا المجال، وقبل أن تبدأ المعركة حول مضمون الاتهام، تبدو معركة الصلاحية هي القضية الأولى التي لا يمكن القفز فوقها.

لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا