آخر الأخبار

زيادة الرواتب في 2027.. 3 سيناريوهات أمام موظفي القطاع الخاص

شارك
يجد الموظف في لبنان نفسه أمام معادلة اقتصادية صعبة للغاية: الأسعار ترتفع، فيما لا يزال الراتب، حتى بعد الزيادات التي شهدها القطاع الخاص خلال السنوات الأخيرة، عاجزًا عن استعادة قدرته الشرائية التي كان يتمتع بها قبل الأزمة المالية والمصرفية، أي قبل عام 2019.

لم تعد المشكلة محصورة في قيمة الراتب الاسمية، بل أصبحت مرتبطة بكلفة الحياة اليومية: السكن، والتعليم، والطبابة، والنقل، والغذاء، والكهرباء والخدمات. ومع تحوّل جزء كبير من الأسعار إلى الدولار، باتت المقارنة بين الراتب وكلفة المعيشة أكثر قسوة بالنسبة إلى الموظف، فيما تواجه المؤسسات نفسها سؤالًا معاكسًا: كيف يمكن زيادة الأجور من دون رفع كلفة الإنتاج والخدمات إلى مستويات قد تؤدي إلى خسارة الزبائن أو تقليص الوظائف؟

علمًا أن الحد الأدنى الرسمي للأجور في القطاع الخاص رُفع في حزيران 2025 إلى 28 مليون ليرة شهريًا، أي ما يعادل نحو 312 دولارًا، على أن تعود لجنة المؤشر إلى تقييم التطورات المرتبطة بالأسعار والأجور، مع الإشارة إلى أن آخر اجتماع مُعلن للجنة كان في شهر كانون الأول الماضي. وفي ظل استمرار ارتفاع كلفة المعيشة، بقي السؤال مطروحًا حول ما إذا كان هذا المستوى قادرًا فعلًا على تأمين الحد الأدنى من المعيشة.

لكن رفع الأجور ليس قرارًا بسيطًا يمكن اتخاذه بمعزل عن وضع الاقتصاد والمؤسسات. فالقطاع الخاص لا يملك، بخلاف الدولة، إمكانية تمويل الزيادات من الموازنة العامة أو من الاقتراض العام. والشركة مُطالبة بأن تدفع الزيادة من إيراداتها، أي من إنتاجها ومبيعاتها وهوامش أرباحها. وهنا يُطرح السؤال: هل سيحصل موظفو القطاع الخاص على زيادات في عام 2027؟

في هذا الإطار، أشار خبير اقتصادي عبر " لبنان 24 " إلى أنه "من الناحية الاقتصادية، أي زيادة كبيرة في الأجور تعني ارتفاعًا في كلفة اليد العاملة بالنسبة إلى المؤسسة، وإذا لم تترافق الزيادة مع ارتفاع مماثل في الإنتاجية أو المبيعات أو الأرباح، تصبح أمام الشركة خيارات محدودة: رفع الأسعار، تخفيض النفقات الأخرى، تقليص عدد الموظفين، تخفيض ساعات العمل، أو ببساطة عدم القدرة على الاستمرار".

واعتبر أن "هذا الأمر أكثر حساسية بالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي تُشكل جزءًا أساسيًا من الاقتصاد اللبناني. فهذه الشركات تعمل في سوق ضعيفة نسبيًا، وتواجه كلفة مرتفعة للطاقة والنقل والمواد الأولية والخدمات، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى التمويل"، مشيرًا إلى أن "المشكلة ليست أن أصحاب المؤسسات لا يريدون زيادة الرواتب، بل أن قدرة المؤسسة على دفع الزيادة مُرتبطة بقدرتها على توليد إيرادات إضافية ومستدامة".

هل تكفي زيادة الأجور لمعالجة المشكلة؟
يقول الخبير الاقتصادي إنه "قد يبدو رفع الرواتب الحل الأكثر مباشرة لتعويض الموظف عن ارتفاع الأسعار، لكنه يحمل خطرًا آخر إذا تمّ بصورة عشوائية أو من دون معالجة الأسباب التي تقف وراء ارتفاع الأسعار. فعندما ترتفع أجور العاملين بصورة كبيرة، قد تضطر المؤسسات إلى رفع أسعار السلع والخدمات لتعويض الزيادة في كلفة الإنتاج، وإذا تكررت العملية، يمكن أن تدخل السوق في حلقة مفرغة"، مشددًا على أن "زيادة الرواتب ينبغي أن تكون جزءًا من سياسة اقتصادية أوسع، تربط الأجر بالتضخم والإنتاجية والنمو واستقرار سعر الصرف".

الدولار غيّر معادلة الرواتب
وأوضح أن "أحد أبرز التحوّلات التي طرأت على سوق العمل في لبنان هو الانتقال التدريجي من الرواتب بالليرة إلى الرواتب بالدولار كليًا أو جزئيًا. وهذا التحوّل جعل الراتب الاسمي بالليرة أقل أهمية بالنسبة إلى شريحة واسعة من العاملين، وأصبح السؤال الأساسي: كم يساوي الراتب فعليًا بالدولار، وماذا يستطيع أن يشتري؟ لكن المشكلة أن اعتماد الدولار في التسعير لا يعني بالضرورة أن رواتب جميع اللبنانيين أصبحت بالدولار".

وتابع: "هنا تظهر فجوة جديدة بين المؤسسات التي تستطيع تحقيق إيرادات بالدولار، وتلك التي تعتمد على سوق محلية محدودة القدرة الشرائية. لذلك، لا يمكن التعامل مع القطاع الخاص ككتلة واحدة، فالقدرة على زيادة الرواتب تختلف بين قطاع وآخر وبين مؤسسة وأخرى".

ماذا عن الحد الأدنى للأجور؟
يؤكد الخبير الاقتصادي أن "رفع الحد الأدنى للأجور يظل أداة أساسية لحماية العمال ذوي الدخل المنخفض، ولهذا تلعب لجنة المؤشر دورًا محوريًا باعتبارها الإطار الذي يناقش تطورات الأسعار والأجور والحد الأدنى للأجر. لكن السؤال الأهم اليوم لم يعد يقتصر على: ما هو الحد الأدنى القانوني؟ بل: هل الحد الأدنى الرسمي يعكس الحد الأدنى الفعلي لتكاليف المعيشة؟".

وأضاف: "هنا تظهر الفجوة بين التشريع والواقع الاقتصادي. فالحد الأدنى للأجور هو أرضية قانونية، وليس بالضرورة راتبًا يكفي لتغطية كل احتياجات الأسرة، ولهذا فإن أي نقاش جديّ حول الأجور في لبنان يجب أن يأخذ في الاعتبار سلة الإنفاق الفعلية، لا الرقم الاسمي للحد الأدنى فقط".

وشدد على أن "القطاع الخاص يحتاج إلى رؤية واضحة: سعر صرف مستقر، قوانين واضحة، كهرباء وطاقة متوفرة، تمويل، ضرائب يمكن توقعها، وطلب محلي قادر على استيعاب الإنتاج. ومن دون هذه العناصر، تصبح زيادة الرواتب قرارًا محفوفًا بالمخاطر".

وأكد أن "هناك مؤسسات قادرة على الزيادة، خصوصًا تلك التي تحسنت إيراداتها أو تعمل في قطاعات ذات قيمة مضافة مرتفعة أو تحقق جزءًا كبيرًا من دخلها بالدولار، لكن المشكلة تكمن في الزيادة الشاملة والموحّدة التي يمكن أن تفرض عبئًا كبيرًا على المؤسسات الأقل قدرة".

لذلك، قد يكون الاتجاه الأكثر واقعية هو مزيج من: زيادة الحد الأدنى للأجور بصورة دورية ومدروسة، وزيادات مرتبطة بالتضخم، وزيادة تدريجية للرواتب وفق إنتاجية المؤسسة، وبدلات نقل وتعليم وصحة ومساعدات اجتماعية عند الحاجة، وتوسيع التأمين الصحي والاجتماعي، وتحسين ظروف العمل، وربط جزء من الزيادة بأداء المؤسسة والموظف، بحسب رأيه.

ماذا يمكن أن يحدث في 2027؟
يقول الخبير الاقتصادي: "أي توقع لعام 2027 مرتبط بمسار الاقتصاد اللبناني خلال الأشهر المقبلة، لكن يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات".

السيناريو الأول: زيادة جديدة وواسعة
إذا استمر ارتفاع كلفة المعيشة، فقد تجد لجنة المؤشر نفسها أمام ضغط متزايد لإعادة النظر في الحد الأدنى للأجور، ويصبح هذا السيناريو أكثر احتمالًا مع استقرار الدولار وتسجيل الاقتصاد نموًا حقيقيًا، بما يسمح للشركات باستيعاب الزيادة من دون موجة تضخمية جديدة.

السيناريو الثاني: زيادات تدريجية
وهو ربما السيناريو الأكثر واقعية. فبدلًا من زيادة ضخمة واحدة، يمكن أن نشهد تعديلات تدريجية على الأجور خلال 2027، بالتوازي مع تطورات مؤشر الأسعار، ما يسمح للمؤسسات بالتكيّف ويخفف الصدمة على كلفة الإنتاج.

السيناريو الثالث: زيادة محدودة بسبب ضعف الاقتصاد
إذا بقي النمو ضعيفًا أو تعرّض الاقتصاد لصدمات جديدة، فقد تجد الدولة نفسها أمام معادلة صعبة: الموظفون يطالبون بزيادة، بينما الشركات غير قادرة على تحمّلها. وفي هذه الحالة، قد تأتي الزيادة أقل من مستوى طموحات العاملين. وهنا يصبح الخطر مزدوجًا: راتب ضعيف من جهة، ومؤسسة غير قادرة على الاستثمار والتوظيف من جهة أخرى.

ماذا يحتاج لبنان قبل 2027؟
يقول الخبير الاقتصادي إنه "إذا كان الهدف الوصول إلى رواتب أكثر عدالة وقدرة شرائية أفضل، فإن الحل يتجاوز لجنة المؤشر. فلبنان يحتاج إلى مسار متكامل يتضمن: استقرارًا نقديًا وسعريًا، وإصلاح القطاع المصرفي، وتحسين الإنتاجية، وتخفيف كلفة ممارسة الأعمال، وحماية اجتماعية أفضل، وآلية دورية لتصحيح الأجور. فبدلًا من انتظار سنوات من التضخم ثم إجراء زيادة كبيرة، يمكن اعتماد آلية أكثر انتظامًا تأخذ في الاعتبار التضخم والإنتاجية والقدرة الاقتصادية".

ويختم بالقول: "لا يبدو من الواقعي استبعاد زيادة جديدة في أجور القطاع الخاص خلال 2027، وخصوصًا إذا استمرت فجوة القدرة الشرائية، لكن حجم هذه الزيادة وتوقيتها سيعتمدان بصورة أساسية على التضخم، والنمو، وسعر الصرف، وقدرة المؤسسات على التحمل، وقرارات لجنة المؤشر والحكومة".

في الخلاصة، رفع الراتب وحده قد يُخفف الأزمة مؤقتًا، لكنه لن يُنهيها. أما الحل المستدام، فيبدأ عندما يصبح الاقتصاد قادرًا على إنتاج قيمة أكبر، وتتحوّل هذه القيمة إلى أجور أفضل، وقدرة شرائية أعلى، وحياة أكثر استقرارًا للبنانيين.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا