يسود لغط واسع في الأوساط العامة والقانونية حول قانون العفو العام، وتحديدًا حيال الجرائم المالية ، وما إذا كان النص قد أحكم استثناءها بالكامل، أم أنّ طريقة صياغته قد تترك الباب مفتوحًا أمام استفادة جرائم لم يأتِ القانون على ذكرها صراحة.
المسألة تتجاوز هنا النقاش القانوني حول مَن يشمله العفو ومَن يُستثنى منه، لتلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في لبنان بعد الانهيار المالي والمصرفي: المحاسبة. ففي بلد خسر فيه المودعون القدرة على الوصول إلى جزء كبير من أموالهم، ولا تزال فيه ملفات المسؤولية عن الانهيار واسترداد الأموال موضع نزاع، يصبح أي التباس في مسألة الجرائم المالية ذا تداعيات تتخطى القضاء إلى الثقة بالاقتصاد والدولة وقدرتها على استقطاب الاستثمارات.
وفي هذا الإطار، شدّد الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة ، في حديث لـ«النشرة»، على أنّ «أي عفو عن الجرائم المالية المرتكبة بحق المالية العامة أو المودعين هو جريمة بحد ذاته»، معتبرًا أنّ «النظام لن يتعافى من دون محاسبة، لأنّ المحاسبة جزء أساسي من الإصلاح المالي».
ولا يحصر عجاقة تداعيات أي عفو محتمل عن الجرائم المالية بحقوق المودعين أو بمحاسبة المسؤولين، بل يربطها مباشرة بمستقبل الاستثمار في لبنان والثقة بالمنظومة الاقتصادية والقانونية.
وفي هذا السياق، يؤكد أنّه في حال حصول ذلك، فإنّ «الرسالة التي نوصلها إلى المستثمر اللبناني هي: لا تستثمر في لبنان، لأنّه لا ضمانة لأموالك، ولأنّ من يسرق أموالك لا يُحاسب».
ويذهب أبعد من ذلك، لافتًا إلى أنّ هذه الرسالة لا تقتصر على المستثمر الداخلي، بل تطال المستثمر الأجنبي أيضًا، ومن ضمنه المستثمر الإماراتي، خصوصًا في ظلّ الاهتمام الذي أبداه مستثمرون إماراتيون بالسوق اللبنانية.
ويقول: «هذا لا يتعلق فقط بالمستثمر الداخلي، بل بالمستثمر الإماراتي أيضًا، لأنّ هؤلاء أتوا إلى لبنان، وكانت هناك ضمانة تشريعية بأن تكون هناك حماية للأموال التي سيأتون بها إلى لبنان».
إذًا، من المنظور الاقتصادي، لا تتعلق المسألة فقط بمصير ملفات سابقة، بل بالقاعدة التي يريد لبنان أن يؤسس عليها المرحلة المقبلة: هل يمكن الحديث عن إعادة بناء الثقة وجذب الرساميل من دون ترسيخ مبدأ المحاسبة وضمان حماية الأموال؟
ماذا يقول النص من الناحية القانونية؟
لكن ماذا يقول النص من الناحية القانونية؟ وهل يتضمن فعلًا عفوًا عن الجرائم المالية؟
الخبيرة في الشؤون المصرفية الدكتورة سابين الكيك توضح، في حديث لـ«النشرة»، أنّ المادة الثانية من القانون الحالي استثنت جرائم مالية من العفو، إلا أنّها تلفت إلى إشكالية أساسية تتعلق بطريقة بناء النص نفسه.
وتشرح الكيك أنّه «في العادة، لا تصدر قوانين العفو بصيغة عامة ثم تستثني، لأنّ قانون العفو هو استثناء على القاعدة، والقاعدة هي التجريم». وترى أنّه كان يفترض أن تأتي النصوص على الشكل الآتي: «تُعفى الجرائم التالية...»، ثم يحدد المشرّع الجرائم التي قرر شمولها بالعفو.
وتضيف: «يجب أن تكون الصياغة بالعكس، ولكن في هذا القانون أصبح العفو هو القاعدة، والتجريم هو الاستثناء»، مشيرةً إلى أنّ النتيجة هي أنّنا «أصبحنا نبحث عن الجرائم المستثناة من العفو عوضًا عن أن نفتش عن الجرائم المشمولة بالعفو».
وبحسب الكيك، فإنّ المنهجية القانونية الأكثر دقة تقتضي أن يصدر النص بصيغة إيجابية، أي أن يحدد المشرّع بصورة واضحة الجرائم التي يريد العفو عنها، على أن يبقى كل ما لم يرد في النص خارج نطاق العفو.
وهنا تكمن نقطة النقاش الأساسية. فالإشكالية، وفق هذه القراءة، ليست في القول إنّ القانون نصّ صراحة على العفو عن الجرائم المالية، بل في السؤال عن الجرائم التي لم يشملها تعداد الاستثناءات، وما إذا كانت الصياغة العامة للعفو تسمح بأن تستفيد منه جرائم لم يقصد الرأي العام إدخالها تحت مظلته أساسًا.
بين المخاوف القانونية والكلفة الاقتصادية
وتتقاطع المخاوف القانونية التي تطرحها الكيك مع التحذير الاقتصادي لعجاقة عند نقطة أساسية هي المحاسبة. فالأولى تسأل عن سلامة الصياغة التي تحدد حدود العفو، فيما يحذّر الثاني من الكلفة الاقتصادية التي قد تترتب على أي مسار يؤدي إلى الإفلات من المحاسبة في الجرائم التي تطال المال العام أو أموال المودعين.
وبين الأمرين، تبرز أهمية حسم الالتباس بعيدًا عن المواقف السياسية المتناقضة من قانون العفو. فبعد واحدة من أكبر الأزمات المالية في تاريخ لبنان، لا تبدو مسألة الجرائم المالية تفصيلًا يمكن تركه للاجتهاد أو لصياغات تحتمل أكثر من تفسير.
فإذا كان الهدف من العفو معالجة ملفات محددة وإقفال صفحة معينة، فإنّ تحديد الجرائم المشمولة به بدقة يصبح ضمانة بحد ذاته. أمّا ترك الباب مفتوحًا أمام التأويل، فيعيد طرح السؤال الذي يلاحق لبنان منذ بداية أزمته: كيف يمكن استعادة ثقة المودع والمستثمر بالدولة إذا لم تكن الحدود بين العفو والمحاسبة واضحة؟
المصدر:
النشرة