تتجاوز التطورات العسكرية الأخيرة في جنوب لبنان مسألة السيطرة على مرتفعات علي الطاهر وتدمير الأنفاق التي تقول إسرائيل إن " حزب الله " أنشأها تحتها، إذ تكشف معطيات إسرائيلية ودولية عن نقاش أوسع داخل المؤسسة العسكرية بشأن شكل الانتشار في المرحلة المقبلة، وصولاً إلى احتمال تثبيت وجود عسكري طويل الأمد داخل الأراضي اللبنانية .
وفي هذا السياق، كشف المراسل العسكري لصحيفة "معاريف"
الإسرائيلية آفي أشكنازي أن الجيش يعمل على إعداد خطة واسعة لإعادة تنظيم قواته في جنوب
لبنان ، تمهيداً لعرضها على القيادة السياسية، بعد انتهاء العملية التي نفذتها الفرقة 36 في مرتفعات علي الطاهر.
وكان الجيش
الإسرائيلي أعلن قبل أيام أن الفرقة 36 أنهت عمليات استمرت أسابيع في المنطقة، وتمكنت، وفق روايته، من تحقيق "سيطرة عملياتية" على المرتفعات فوق الأرض وتحتها وتعطيل مسارين تحت الأرض، قال إنهما يضمان غرف قيادة ومستودعات أسلحة ومرافق تسمح بالبقاء لفترات طويلة.
لكن "رويترز" نقلت عن مسؤول عسكري لبناني أن القوات الإسرائيلية سيطرت على المداخل الجنوبية للمنظومة وراقبت المداخل الشمالية بواسطة المسيّرات، فيما لم يكن واضحاً مدى سيطرتها على كامل المجمع تحت الأرض.
وتكتسب مرتفعات علي الطاهر أهمية استراتيجية، إذ تقع على مسافة نحو 15 كيلومتراً من الحدود وترتفع قرابة 600 متر، ما يمنحها إشرافاً على مساحات واسعة من الجنوب، فضلاً عن ارتباطها بمحاور تصل المناطق الحدودية بإقليم التفاح.
خطة لفرقتين و3 خطوط دفاعية
بحسب "معاريف"، تعمل القيادة الشمالية الإسرائيلية على تصور يقوم على إبقاء فرقتين عسكريتين في الساحة اللبنانية، بدلاً من الاعتماد على فرقة واحدة كما كان الوضع على الحدود قبل اندلاع المواجهة في تشرين الأول 2023.
وتتولى الفرقة 91 حالياً، وفق التقرير، مسؤولية قطاع واسع يمتد من الساحل وصولاً إلى سفوح جبل دوف، بينما يدرس الجيش هوية الفرقة الثانية التي ستعمل إلى جانبها. وتشمل الخيارات تدوير إحدى فرق المناورة النظامية، وهي 98 أو 36 أو 162، أو تشكيل فرقة احتياطية لهذه المهمة.
واللافت أن الخطة تقوم أيضاً على 3 خطوط دفاعية: الأول في التلال والمواقع الأمامية داخل لبنان، مع قوات ثابتة مدعومة بالطيران والمدفعية والمدرعات؛ والثاني عبارة عن سلسلة مواقع على عمق يتراوح بين 7 و10 كيلومترات تستخدم للمراقبة وتنفيذ عمليات "الدفاع الأمامي"؛ أما الثالث فهو الخط الأزرق.
ويعني ذلك، في حال اعتماد الخطة، نقل جزء أساسي من منظومة الدفاع الإسرائيلية إلى داخل الأراضي اللبنانية، بدلاً من حصرها بالحدود.
"نموذج غزة" في لبنان؟
الأكثر لفتاً أن الجيش الإسرائيلي، وفق "معاريف"، يدرس نموذج انتشار قريباً من المعتمد في غزة، يقوم على وجود قوات أمامية تنفذ عمليات هجومية داخل المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل، بالتوازي مع قوات تمسك الخطوط الخلفية.
ومن شأن هذا الانتشار أن يتطلب آلاف الجنود بصورة مستمرة، ما يجعل المسألة أبعد من مجرد إعادة تموضع بعد عملية علي الطاهر. ومن المفترض أن تمر الخطة أولاً بهيئة الأركان قبل رفعها إلى القيادة السياسية لاتخاذ القرار النهائي.
ويتزامن ذلك مع تصريحات
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن تعزيز ما تصفه إسرائيل بـ"المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان وربط الانسحاب بنزع سلاح "حزب الله".
في المقابل، كانت
واشنطن قد دفعت باتجاه ترتيبات مختلفة تقوم على تسليم مناطق في الجنوب إلى
الجيش اللبناني مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي. وفي السياق، أشارت "أسوشيتد برس" إلى أن مقترحاً أميركياً شمل تسليم منطقة علي الطاهر إلى الجيش اللبناني ضمن تفاهم أوسع، إلا أن المسار تعثر.
هل تعود "المنطقة الأمنية"؟
هذه التطورات أعادت إلى النقاش الإسرائيلي سؤالاً أكثر حساسية: هل تتجه إسرائيل عملياً نحو إنشاء نسخة جديدة من "المنطقة الأمنية" التي احتفظت بها في جنوب لبنان حتى انسحابها عام 2000؟
صحيفة "جيروزاليم بوست" طرحت هذا الاحتمال صراحةً في تحليلها لعملية علي الطاهر، معتبرة أن السياسة الإسرائيلية الجديدة تقوم بصورة متزايدة على السيطرة على مناطق عازلة محدودة داخل لبنان وغزة بدلاً من الاكتفاء بالدفاع من وراء الحدود، لكنها أشارت إلى أن السؤال عما إذا كان الجنوب سيتحول مجدداً إلى منطقة أمنية طويلة الأمد لا يزال مفتوحاً.
وتعزز التطورات الميدانية هذا التساؤل، خصوصاً أن المواجهات لم تتوقف بعد السيطرة الإسرائيلية المعلنة على علي الطاهر. كما أن التصعيد استمر خلال الأيام التالية، فيما لا تزال الاتصالات المتعلقة بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم المواقع إلى الجيش اللبناني متعثرة.
وعليه، فإن ما يجري بعد علي الطاهر قد يكون أكثر أهمية من معركة المرتفعات نفسها. فالخطة التي يجري إعدادها، إذا حصلت على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية، قد تنقل الجبهة من مرحلة العمليات المؤقتة والتوغلات إلى نموذج يقوم على انتشار عسكري واسع داخل جنوب لبنان، مع فرقتين وآلاف الجنود وثلاثة خطوط دفاعية.
وهنا تحديداً تكمن دلالة الخطة: فإسرائيل لا تبحث فقط في كيفية الدفاع عن حدودها بعد انتهاء معركة علي الطاهر، بل في المكان الذي تريد أن تصبح فيه حدود دفاعها الفعلية مستقبلاً.