كتب المحامي إميل عون في "نداء الوطن":
لم تعد مسألة مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL) مسألة مرتبطة بمجرد تجديد دوري لولاية قوة حفظ سلام دولية تعمل في جنوب لبنان منذ عام 1978، فلقد دخلت المسألة منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 2790 تاريخ 28 آب 2025، مرحلة قانونية جديدة بعدما قرر المجلس أن يكون تمديد ولاية اليونيفيل حتى 31 كانون الأول 2026 تمديداً نهائياً، وأن تبدأ في ذلك التاريخ عملية "تقليص وانسحاب منظم وآمن" تستمر خلال سنة.
تزداد المسألة تعقيداً في ضوء إتفاق الإطار الثلاثي الذي دخل في المشهد خلال 2026، والسؤال القانوني البديهي الذي يسأل هنا: هل يمكن للترتيبات الثنائية أو الثلاثية أن تحل محل القرار 1701؟ برأي الكاتب الجواب هو سلبي، فأي اتفاق بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة لا يلغي قراراً صادراً عن مجلس الأمن إلا إذا صدر لاحقاً قرار من المجلس يعدل أو ينهي الالتزامات ذات الصلة.
وقد لاحظت مناقشات مجلس الأمن في تموز 2026 أن الإطار الثلاثي لا يتضمن، بحسب التحليل المنشور، دوراً صريحاً لليونيفيل أو لوجود أممي بديل، بينما لا يزال القرار 1701 هو الإطار الذي أنشأه مجلس الأمن للسلام والاستقرار بين لبنان وإسرائيل (22).
وهذا يعني أن المسارين أي المسار الثنائي أو الثلاثي والمسار الأممي يجب أن يتكاملا لا أن يتعارضا. بكلام آخر، لا يمكن للإتفاق الجديد أن يحل محل القرار 1701، إلا إذا تم التوصل إلى إتفاق دولي صحيح بين الأطراف المعنية أو صدر قرار جديد عن مجلس الأمن يتعامل مع النظام الجديد أو نشأ نظام قانوني جديد يتوافق مع إلتزامات الميثاق وقرارات مجلس الأمن.
أما مجرد إتفاق سياسي بين دولتين أو أكثر، فلا يستطيع بمفرده أن يمحو إلتزامات دولية ناشئة عن قرار مجلس الأمن، وهنا تظهر أهمية المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة التي تعطي، عند التعارض، الأولوية للإلتزامات الناشئة عن الميثاق. من هنا، يمكن تلخيص
المستقبل القانوني في ثلاثة نماذج وهي تباعًا، إنشاء قوة أممية جديدة قريبة من اليونيفيل وتكون إستمرارًا لخبرة اليونيفيل السابقة بإسمٍ آخر، أو نموذج ثانٍ يتجسد ببعثة مراقبة تابعة للامم المتحدة، قوة أصغر تركز على المراقبة والتحقيق والتحقق ورفع التقارير، وهذا هو النموذج الذي يبدو قريباً من الخيارات التي طرحها
الأمين العام (23)، وهذا برأي الكاتب أفضل نموذج قانوني للبنان إذا كان الهدف هو تعزيز السيادة مع الحفاظ على آلية دولية محايدة.
أما النموذج الثالث، فيكون قوة متعددة الجنسيات خارج الأمم المتحدة تضم دولاً أوروبية وعربية أو دولاً أخرى، وتعمل بالتنسيق مع
الجيش اللبناني ، لكنها تحتاج إلى أساس قانوني واضح جداً، خصوصاً إذا كان لها وجود مسلح أو وظائف تتجاوز التدريب والمساعدة.
وفي تحليل النماذج الثلاثة ومن وجهة نظر قانونية، لا يكون الخيار الأمثل للبنان هو عودة اليونيفيل بالشكل القديم، ولا إنسحاب الأمم المتحدة كلياً، بل يكون الحل الأفضل بوجود أممي أصغر حجماً، محدد الوظيفة، يركز على المراقبة والتحقق والتحقيق والاتصال ودعم الجيش اللبناني، مع إنتقال واضح للمسؤولية الأمنية إلى الدولة
اللبنانية ، وهذا يجمع بين السيادة اللبنانية والضمانة الدولية. بالنسبة لموقف
حزب الله من مسألة اليونيفيل، فلا شك أنه لا يمانع وجوداً دولياً على أساس أن لا يتحول إلى أداة لفرض نزع سلاحه، وتاريخياً، لم يكن مؤيداً لتحويل اليونيفيل إلى قوة تنفيذية تعمل على نزع سلاحه، لكنه في الوقت نفسه يستفيد من وجودها من عدة نواحٍ: وجود دولي في الجنوب، آلية إتصال بين لبنان وإسرائيل، مراقبة الخروقات، رفع التقارير إلى مجلس الأمن، وجود حاجز سياسي أمام تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة أمام
إسرائيل ...
والجدير بالملاحظة أن إنهاء مهمة اليونيفيل لا ينهي المشكلة التي كانت مهمتها جزءاً من معالجتها، بل ينقل مركز الثقل في هذه المشكلة من المستوى الدولي إلى المستوى الوطني. فإذا كان وجود اليونيفيل قد جعل تنفيذ القرار 1701 مسؤولية مشتركة بين الدولة والقوة الدولية، فإن انتهاء مهمتها سيجعل الدولة اللبنانية أمام مسؤولية أكبر في إثبات قدرتها على ممارسة سلطتها الحصرية الواجبة في الجنوب.
وفي هذه اللحظة تحديداً، يصبح وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، أياً تكن الجهة الحائزة له، ليس مجرد مسألة أمنية، بل مسألة تتصل مباشرة بجوهر السيادة اللبنانية وبمدى قدرة
الدولة على تنفيذ التزاماتها الدولية. إن استمرار اليونيفيل أتاح، بصورة غير مباشرة، استمرار الفصل بين وظيفة حفظ الأمن الدولي ووظيفة نزع سلاح الجماعات المسلحة، بينما يؤدي انتهاء مهمتها إلى دفع الدولة اللبنانية نحو تحمل المسؤولية المباشرة عن تنفيذ مبدأ احتكار القوة.
فانتهاء اليونيفيل لا ينهي النظام القانوني للقرار 1701، وإنما ينقل مركز الثقل في تنفيذ هذا النظام من القوة الدولية إلى الدولة اللبنانية، الأمر الذي يجعل العلاقة بين الجيش اللبناني وحزب الله العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان الانسحاب الدولي سيؤدي إلى استعادة السيادة اللبنانية أم إلى فراغ أمني جديد. فهل كان وجود اليونيفيل يحمي حزب الله أم يقيده؟ السؤال يبدو سياسياً، لكنه في الحقيقة يكشف جوهر المعضلة القانونية ويمكن النظر إلى اليونيفيل من زاويتين متعارضتين: من الزاوية الأولى، وجودها يقيد حزب الله، لأن القرار 1701 يجعل منطقة جنوب الليطاني خاضعة لنظام أمني يمنع وجود السلاح والقوات غير التابعة للدولة أو اليونيفيل، ومن الزاوية الثانية، وجودها يوفر لحزب الله، بصورة غير مباشرة، مظلة دولية تحول دون أن يصبح الجنوب ساحة مواجهة مباشرة ومستدامة بينه وبين إسرائيل، فمصلحة حزب الله ترتبط بنوع الوجود الدولي ووظيفته، فهو يستطيع أن يستفيد من وجود دولي يحول دون الانفجار الشامل، لكنه يرفض أن يتحول هذا الوجود إلى آلية تنفيذية لنزع سلاحه، وسيكون المستقبل القريب خير شاهدٍ على أن حزب الله هو العامل الداخلي الأكثر تأثيراً في نجاح أو فشل وتعطيل انتقال المسؤولية من اليونيفيل إلى الجيش اللبناني.