آخر الأخبار

من علي الطاهر إلى غزة... هل تعيد الانتخابات الإسرائيلية تشكيل جبهات الحرب؟

شارك

تزامن إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أن تلة علي الطاهر في جنوب لبنان "لم تعد تهدد إسرائيل" مع إعادة طرح مشروع إخراج الفلسطينيين من قطاع غزة . فقد قدّم وزير الدفاع يسرائيل كاتس السيطرة على التلة باعتبارها خطوة تثبّت وجود الجيش الإسرائيلي في ما يسميه " المنطقة الأمنية "، فيما عرض وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير خطة تمتد سبع سنوات لـ"الهجرة الطوعية" من غزة، داعيًا إلى إنشاء وزارة تتولى تنفيذها.

يأتي الخطابان قبل أقل من شهرين على انتخابات 27 تشرين الأول، وهي الأولى منذ هجوم "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول 2023 والحروب التي أعقبته في غزة ولبنان و إيران . ويدخل نتنياهو هذه الانتخابات المصيرية بالنسبة إليه بعد اهتزاز صورته الأمنية، فيما تشير استطلاعات متتالية إلى احتمال خسارة ائتلافه الأكثرية، من دون أن تضمن لخصومه تشكيل حكومة بديلة.

يحتاج نتنياهو إلى إثبات أن الحروب أنتجت نتائج أمنية، فيما يرفع شركاؤه مطالبهم للاحتفاظ بحصتهم داخل معسكر اليمين. لا يعني ذلك أن الانتخابات صنعت العمليات العسكرية أو أنها وحدها تفسّر استمرار الاحتلال والحرب. فلكل جبهة حساباتها الأمنية والسياسية التي سبقت موعد الاقتراع، لكن اقتراب الصندوق يغيّر طريقة عرض النتائج، ويرفع كلفة التراجع عنها، ويدفع الشركاء داخل الائتلاف إلى المزايدة على بعضهم بعضًا.

فإلى أي حد تؤثر حسابات انتخابات 27 تشرين الأول في أهداف الحرب وشروط التفاوض على جبهتي لبنان وغزة؟

أزمة ثقة لا أزمة تأييد

تتعلق مشكلة نتنياهو الانتخابية بالثقة في إدارته للأمن، لا بتأييد الإسرائيليين لاستخدام القوة. فقد أيد قسم واسع من الجمهور الحروب على " حماس " و" حزب الله " وإيران، لكن استطلاعات الرأي أظهرت انخفاض الثقة بقيادته منذ هجوم 7 تشرين الأول. لذلك يحتاج إلى إثبات أن إدارته للحرب غيّرت البيئة الأمنية ومنعت تكرار الهجوم الذي وقع خلال ولايته.

يؤدي إعلان السيطرة على تلة علي الطاهر هذه الوظيفة. فقد قالت إسرائيل إن جيشها سيطر عملياتيًا على الموقع وأخرج مقاتلي "حزب الله" من الأنفاق تحته. لم يعلّق الحزب على الرواية، ولم يتسنَّ التحقق مستقلًا من الوضع الميداني للتلة، إلا أن نتنياهو وكاتس انتقلا سريعًا من وصف نتيجة عسكرية إلى استخلاص نتيجة سياسية، من خلال القول إن الخطر أُزيل، والسيطرة ينبغي أن تستمر حتى نزع سلاح الحزب في كل لبنان.

بهذا الربط، لا تُعرض العملية باعتبارها تقدُّمًا يمكن استخدامه لتحسين شروط اتفاق ثم الانسحاب، وإنما دليلًا على ضرورة البقاء العسكري. وهكذا، يصبح الموقع جزءًا من سياسة يريد نتنياهو أن يُحاسب انتخابيًا على نجاحها، وترتفع الكلفة الداخلية لأي تراجع عنه قبل الاقتراع. حتى أي انسحاب قد يجري التوصل إليه يمكن أن يستخدمه منافسوه داخل اليمين للقول إنه تخلى عن منطقة قدّمتها الحكومة باعتبارها ضرورية لحماية بلدات الشمال.

يمتد الخطاب نفسه إلى جبهات أخرى. يحتاج نتنياهو إلى تقديم حصيلة تقول إن إسرائيل أبعدت "حزب الله"، واحتفظت بحرية العمل في سوريا، وغيّرت وضع غزة، وواجهت إيران مباشرة. تتيح له هذه الحصيلة تحويل النقاش من مسؤوليته عن إخفاق 7 تشرين الأول إلى إدارته لما تلاه، وجعل نتائج الحرب أساس حملته للبقاء في السلطة.

المنافسة داخل اليمين ترفع سقف الأهداف

إلى جانب المعارضة، يواجه نتنياهو أحزابًا يمينية يحتاج إليها للوصول إلى أكثرية 61 نائبًا، إذ يمنح النظام النسبي الأحزاب الصغيرة قدرةً على فرض شروطها خلال تشكيل الائتلاف. لذلك يخوض بن غفير وحلفاؤه حملتين: واحدة لإبقاء المعسكر في السلطة، وأخرى لزيادة حجمهم داخله ومنع "الليكود" من احتكار تمثيل اليمين.

تظهر المزايدة نفسها على مستوى الجبهة اللبنانية بصيغة مختلفة. تجاوز كاتس ربط الانسحاب بإبعاد قوات "حزب الله" عن الحدود وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، واشترط نزع سلاح الحزب في جميع الأراضي اللبنانية. يحوّل هذا الشرط الوجود الإسرائيلي من إجراء مرتبط بمنطقة محددة إلى أداة ضغط مفتوحة المدة، لأن تنفيذه يتوقف على مسار لبناني داخلي لا تملك إسرائيل وحدها تحديد نهايته.

تتكرر المعادلة نفسها على الجبهة الفلسطينية بصيغة أوضح. فخطة بن غفير تتجاوز طرح مبدأ "الهجرة الطوعية" إلى اقتراح تحويل الفكرة، عبر الدعوة إلى وزارة مخصصة لتنفيذها، من موقف سياسي إلى صلاحية حكومية دائمة بموازنة ومهام محددة. عمليًا، يسعى بن غفير إلى ما هو أبعد من المشاركة في تحديد أهداف الحرب في غزة: امتلاك أداة تنفيذية راسخة داخل أي ائتلاف مقبل، ما يميّز حصته عن باقي شركاء اليمين ويرفع سقف مطالبه مقابل بقائه في الحكومة.

في المقابل، لا يقدم خصوم نتنياهو خيارًا واضحًا بين استمرار الحرب وإنهائها. يطرح رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت نفسه بديلًا أقدر على إدارة الأمن، لكنه يتبنى مقاربة متشددة أيضًا. فقد انتقد نتنياهو بسبب استجابته للضغط الأميركي لوقف النار في لبنان، وعدّ المطالبة بدولة فلسطينية غير ذات صلة بالمرحلة. وبهذا المعنى، تدور المنافسة حول كفاءة استخدام القوة وشروط التسوية، لا حول مراجعة شاملة لأهداف إسرائيل الإقليمية.

ماذا تعني نتائج الانتخابات للبنان؟

يُضيّق اقتراب الانتخابات هامش التفاوض اللبناني. لا يملك نتنياهو وكاتس حافزًا لإعلان انسحاب يمكن تصويره تنازلًا، فيما تتيح لهما مواصلة العمليات في تأكيد استمرار التهديد. قد يؤدي ذلك إلى تأخير التفاهمات، أو تجزئة الانسحاب إلى مراحل إضافية، أو طلب مقابل سياسي وأمني عن كل موقع بدل التعامل معه ضمن اتفاق شامل.

إذا احتفظ نتنياهو بالسلطة مع ائتلاف يعتمد على بن غفير واليمين الديني، يرجح أن تتحول المواقف الحالية إلى شروط حكومية. سيزداد الربط بين الانسحاب ونزع سلاح "حزب الله" في كل لبنان، وقد تصبح السيطرة العسكرية الحالية نقطة انطلاق لأي تفاوض جديد. فالشركاء الذين يمنحونه الأكثرية سيطالبون بثمن سياسي، مثلما يحاول بن غفير جعل مشروعه في غزة شرطًا للمشاركة في الحكومة المقبلة.

أما فوز المعارضة بقيادة آيزنكوت، فقد يغيّر أسلوب إدارة الملف والعلاقة مع واشنطن، لكنه لا يضمن تخفيف الشروط على لبنان. يمكن لحكومة جديدة أن تكون أكثر استعدادًا لترتيب انسحاب متدرج ضمن ضمانات أميركية وانتشار للجيش اللبناني، إلا أن مواقف آيزنكوت تمنع افتراض تخليه تلقائيًا عن المواقع اللبنانية المحتلة أو قبوله تسوية لا تمنح إسرائيل ضمانات أمنية كافية.

ويبقى وارداً ألا يحصل أي معسكر على أكثرية والدخول في مفاوضات طويلة لتشكيل الحكومة. عندها تستمر الحكومة الحالية في إدارة الحرب، وتبقى الوقائع العسكرية من دون قرار سياسي نهائي. كلما طال هذا الوضع، زاد حضور الجيش في تحديد السياسة على الحدود، وأصبح الانسحاب بحاجة إلى تبرير أكبر أمام الجمهور والقوى السياسية.

لا تحدد الانتخابات أصل الصراع أو حق لبنان في استعادة أرضه، لكنها تؤثر في الفريق الذي سيتخذ قرار الانسحاب والشروط التي سيضعها. ويكشف تقاطع خطاب علي الطاهر مع خطة غزة أن المكاسب العسكرية والمشاريع المتطرفة تتحول إلى برامج انتخابية والتزامات ائتلافية محتملة. لذلك يشمل السؤال اللبناني الوقائع التي سيكرّسها الائتلاف الحالي قبل الاقتراع، والوعود التي ستصبح بعده قيودًا على أي تسوية.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا