يدخل "
حزب الله " مرحلة سياسية دقيقة تتداخل فيها الضغوط الخارجية مع رسائل الداخل، في وقت تضيق أمامه هوامش المناورة، سواء على مستوى العلاقة مع
واشنطن أو في ما يتعلق بمستقبل السلاح ودور الجيش والدولة في المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، تكتسب مواقف
رئيس مجلس النواب نبيه بري الأخيرة أهمية خاصة، ليس فقط لجهة ما حملته من رسائل إلى
إسرائيل ، وإنما أيضاً لناحية ما يمكن قراءته فيها من إشارات إلى الداخل، وخصوصاً إلى "حزب الله".
فبري، الذي شدد على أن "المطلوب إسرائيلياً ليس حزب الله وليس سلاحه ولا حركة أمل ولا الطائفة الشيعية"، اعتبر أن إسرائيل "تريد الفتنة"، واضعاً بذلك المواجهة في إطار أوسع من مصير الحزب وسلاحه. ووفق هذه المقاربة، فإن الخطر لا يكمن فقط في الضربات
الإسرائيلية أو الضغوط العسكرية، بل في إمكانية انتقال تداعيات المواجهة إلى الداخل وتحولها إلى انقسامات وصدامات تهدد استقرار
لبنان .
هنا يلتقي التحذير من الفتنة مع موقف
بري من الجيش، بعدما وضع السلم الأهلي والوحدة الوطنية والمؤسسة العسكرية ضمن "الخطوط الحمراء". فالرسالتان تبدوان مترابطتين: إذا كان الهدف، وفق توصيف بري، هو ضرب الداخل اللبناني، فإن حماية هذا الداخل تمر عبر منع الفتنة وتثبيت دور الجيش وتعزيز حضوره باعتباره المؤسسة العسكرية الرسمية.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو ممكناً حصر كلام بري برسالة موجهة إلى إسرائيل، فالتشديد على الجيش يعني جميع الأطراف
اللبنانية ، و"حزب الله" من بينها، خصوصاً أن موقع المؤسسة العسكرية بات في صلب
النقاش المتعلق بمستقبل الجنوب وسلطة الدولة والسلاح.
وتزداد أهمية هذه الرسائل في ظل المأزق السياسي الذي يواجهه الحزب خارجياً. وفعلياً، فإن المسار الذي طُرح بشأن إمكان فتح قناة حوار بين واشنطن و"حزب الله" لم يتحول إلى نافذة سياسية فعلية يمكن للحزب استخدامها لتخفيف الضغوط، فيما يبقى ملف سلاحه في صلب المقاربة الأميركية للمرحلة اللبنانية المقبلة.
وهكذا، تتقاطع الضغوط الخارجية مع رسائل الداخل عند نقطة واحدة: المرحلة المقبلة تتجه أكثر نحو تعزيز موقع الدولة والجيش ومنع أي اهتزاز داخلي.
لهذا، قد يكون من الضروري بالنسبة إلى "حزب الله" قراءة كلام بري بما يتجاوز الجزء المتعلق بإسرائيل. فرئيس المجلس، وإن رفع سقف التحذير من المشروع
الإسرائيلي واعتبر أن أهدافه تتخطى الحزب نفسه، رسم في المقابل حدوداً داخلية واضحة عندما وضع الجيش والسلم الأهلي والوحدة الوطنية في موقع لا يجوز المساس به.
بمعنى آخر، فإن اعتبار إسرائيل تسعى إلى الفتنة يرتب مسؤولية على مختلف القوى اللبنانية في منعها، وفي مقدمها القوى الأكثر تأثيراً على الساحة الداخلية. ومن هنا يصبح "حزب الله" معنياً مباشرة بالمعادلة التي طرحها بري: مواجهة الخطر الإسرائيلي لا تنفصل عن حماية الاستقرار الداخلي، وحماية الاستقرار لا تنفصل بدورها عن تثبيت الجيش والدولة.
وبذلك، يبدو الحزب أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة الضغط الإسرائيلي: باب أميركي غير مفتوح أمامه، وضغط إسرائيلي متواصل، وفي الداخل سقف سياسي يرسمه حليفه الأبرز ويقوم على ثلاثية واضحة: لا فتنة، لا مساس بالسلم الأهلي، والجيش خط أحمر.
وهنا، ربما الرسالة الأكثر أهمية في كلام بري: حين يصبح الهدف الإسرائيلي، وفق توصيفه، أبعد من "حزب الله" وسلاحه، فإن إحباط هذا الهدف لا يكون عسكرياً فقط، بل يبدأ أيضاً من منع الانقسام الداخلي وتثبيت مؤسسات الدولة. وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح الحزب جزءاً من الرسالة، لا مجرد الجهة التي يتحدث بري دفاعاً عنها.