آخر الأخبار

هل يفتح نتنياهو جبهة لبنان للهروب من الانتخابات؟

شارك
كلما اقترب بنيامين نتنياهو من اليقين بأن صناديق الاقتراع قد تخرجه من الحكم، يصبح السؤال في إسرائيل أقل ارتباطاً بكيفية فوزه في الانتخابات، وأكثر ارتباطاً بما إذا كانت الانتخابات ستُجرى أصلاً في موعدها وفي ظروف طبيعية.

هذه هي الفرضية التي يقصدها يائير غولان رئيس حزب الديمقراطيين في اسرائيل حين يقول: "يجب ألا نكون ساذجين، نتنياهو يريد أزمة أمنية وتعطيل الانتخابات". فهو لا يفترض أن نتنياهو يستطيع إلغاء الاقتراع بقرار شخصي، بل أنه قد يدفع نحو واقع أمني يجعل تأجيله مطلباً يبدو وطنياً، لا مناورة هدفها إنقاذ مستقبله السياسي.

التشظي داخل معسكر اليمين، وصعود غادي آيزنكوت، ودخول عوفر فينتر رئيس الحزب اليميني "شعبك إسرائيل " على خط المنافسة، كلها عوامل قد تدفع نتنياهو إلى مرحلة يشعر فيها بأن أدواته الانتخابية التقليدية لم تعد كافية. عندها قد يصبح الانتقال من المعركة الانتخابية إلى المعركة الأمنية أحد الخيارات المتاحة أمامه، ولبنان يبقى إحدى أكثر الساحات قابلية لهذا الاستخدام.

لفهم هذه الفرضية، يمكن العودة إلى الطريقة التي تعامل بها نتنياهو مع محاكمته. ليس دقيقاً القول إنه غادر كل جلسة، لكن من الثابت أن جلسات شهادته تعرضت مراراً للاختصار والتأجيل، وأنه غادر قاعة المحكمة أكثر من مرة بعد تلقي تحديثات أو استدعاءات أمنية.

في تموز 2025، توقفت شهادته بعدما وصل سكرتيره العسكري إلى المحكمة، وقال نتنياهو للقضاة إنه مضطر إلى مقابلته فوراً. وفي نيسان 2026، غادر الجلسة بعد نحو نصف ساعة من بدئها متوجهاً إلى اجتماع أمني عاجل في مقر وزارة الدفاع ، رغم أن المحكمة كانت قد رفضت قبل ذلك طلباً لتقصير شهادته. وبحسب حصيلة نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، استغرقت شهادته 98 جلسة خلال 18 شهراً، تخللتها طلبات عديدة للإلغاء أو الاختصار لأسباب أمنية ودبلوماسية.

لا توجد أدلة تثبت أن تلك التحديثات الأمنية كانت مختلقة، لكن أثرها السياسي كان واضحاً. ففي كل مرة كان يخرج فيها نتنياهو من قاعة المحكمة بسبب تطور أمني، كانت الصورة التي يريد ترسيخها تتكرر: هناك دولة مهددة، ورئيس حكومة يحاول حمايتها، وقضاة ومدعون يريدون إبقاءه منشغلاً بملفات شخصية.

بهذه الطريقة، لا تعود المحاكمة عبئاً على نتنياهو وحده، بل يحاول تحويلها إلى عبء على الإسرائيليين أنفسهم.هو لا يقدم نفسه بوصفه متهماً يحاول الهروب من المحكمة، بل بوصفه قائداً تمنعه المحكمة من أداء مهمته.

يمكن تطبيق المنطق نفسه على الانتخابات.

إذا أصبحت خسارة نتنياهو شبه مؤكدة، فقد لا يعلن أنه يريد تأجيل الاقتراع لأنه يخشى الهزيمة. سيكون الخطاب مختلفاً: كيف يمكن فتح مراكز الاقتراع تحت الصواريخ؟ وكيف يمكن تغيير الحكومة في ذروة حرب تهدد أمن إسرائيل؟

قانونياً، لا يستطيع نتنياهو تأجيل الانتخابات منفرداً. فقانون الكنيست يشترط موافقة 80 نائباً ووجود ظروف استثنائية تمنع إجراء الانتخابات في موعدها، على أن يكون التأجيل محدوداً بالمدة التي تفرضها تلك الظروف. أي أن نتنياهو سيحتاج إلى دعم جزء من المعارضة .

لكن هنا تحديداً تكمن خطورة السيناريو. فإذا اندلعت حرب واسعة مع لبنان ، وسقطت الصواريخ على مدن إسرائيلية، واستُدعي عشرات آلاف جنود الاحتياط، وتعذر فتح مراكز اقتراع في مناطق واسعة، فستجد المعارضة نفسها أمام فخ سياسي.

إذا وافقت على التأجيل، تكون قد منحت نتنياهو وقتاً إضافياً في الحكم. وإذا رفضت، فسيهاجمها باعتبارها تضع مصالحها الانتخابية فوق حياة الجنود وأمن المستوطنين. ولن يكون سهلاً على شخصيات ذات خلفية عسكرية مثل آيزنكوت أن ترفض تأجيلاً توصي به المؤسسة الأمنية في ظل حرب حقيقية.

وقد سبق لإسرائيل أن أجلت الانتخابات بسبب الحرب. ففي عام 1973، كان يفترض إجراء الاقتراع في 30 تشرين الأول، لكن حرب تشرين اندلعت قبل الموعد بـ24 يوماً، فتأجلت الانتخابات حتى 31 كانون الأول. صحيح أن القانون الحالي أكثر تشدداً، لكن السابقة السياسية موجودة، ويمكن استدعاؤها لتبرير تأجيل جديد.

من هنا يصبح لبنان أكثر من مجرد جبهة عسكرية. فهو ساحة قائمة ومفتوحة، ويمكن الانتقال فيها من الغارات المحدودة إلى مواجهة أوسع عبر سلسلة خطوات تبدو، كل واحدة منها، رداً أمنياً مشروعاً.

لا يحتاج نتنياهو إلى افتعال حرب من الصفر. قد يكفي رفع سقف الأهداف، أو توسيع العمليات البرية، أو تحويل معركة موضعية مثل"علي الطاهر" إلى عنوان لـ"استكمال المهمة"، ثم انتظار رد حزب الله لتقديم الحرب على أنها فُرضت على إسرائيل.

غير أن التصعيد المحدود حول تلة أو بلدة لن يكون كافياً قانونياً لتأجيل الانتخابات. المطلوب للوصول إلى ذلك هو واقع أمني يمنع فعلياً إجراء اقتراع حر ومتساوٍ: جبهة داخلية تحت الصواريخ، تعبئة واسعة للاحتياط، إخلاء مستوطنات، وقيود على التجمع والتنقل.

وقد لا يكون هدف نتنياهو منذ البداية الوصول إلى التأجيل الرسمي. فحتى إذا جرت الانتخابات في موعدها، يكفي أن تُجرى في ظل الحرب كي تتغير طبيعتها.

عندها تتوقف الحملة الطبيعية، وتتراجع ملفات المحاكمة والفشل السياسي والانقسامات الداخلية، ويعود نتنياهو إلى موقع "رئيس الحكومة في زمن الحرب". كما سيضطر آيزنكوت إلى دعم العمليات العسكرية أو الدفاع عن موقف أكثر تحفظاً، ما يضعه أمام ناخبيه اليمينيين في موقف معقد.

لبنان يصلح لهذا السيناريو أكثر من جبهات أخرى. فغزة استُهلكت سياسياً، والحرب مع إيران يصعب التحكم بمسارها، أما المواجهة مع تركيا عبر سوريا فتحمل مخاطر إقليمية ضخمة. في المقابل، يمكن لنتنياهو أن يقدم أي توسع في لبنان باعتباره محاولة لحماية الشمال أو إزالة تهديد حزب الله.

لكن هذا الخيار ليس مضموناً. فالحرب التي قد تؤجل الانتخابات يمكن أيضاً أن تُسقط نتنياهو نهائياً إذا أدت إلى خسائر كبيرة أو أعادت المستوطنين إلى الملاجئ من دون تحقيق إنجاز واضح. كما أن آيزنكوت نفسه قادم من المؤسسة العسكرية، ولن يكون سهلاً على نتنياهو احتكار صورة "رجل الأمن" كما فعل أمام خصوم مدنيين سابقين.

مع ذلك، تبقى الفرضية قائمة: كلما اقترب نتنياهو من خسارة مؤكدة، ارتفعت احتمالات أن يبحث عن معركة يغيّر من خلالها قواعد المنافسة أو موعدها.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا