لا تبدو الزيارة الاقتصادية
الإماراتية المرتقبة إلى
لبنان مجرد محطة بروتوكولية في مسار العلاقات الثنائية، بل تحمل مؤشرات على انتقال العلاقة بين البلدين إلى مستوى أكثر عمقاً، عنوانه الاستثمار والشراكات الاقتصادية وإعادة تموضع لبنان على خريطة الاستثمارات الخليجية.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة مع التحضيرات لعقد أكثر من 50 لقاءً واجتماعاً اقتصادياً بين رجال أعمال ومستثمرين لبنانيين وإماراتيين، في إطار البحث عن فرص استثمارية وشراكات يمكن أن تتحول إلى مشاريع فعلية خلال المرحلة المقبلة.
من العلاقات السياسية إلى الشراكة الاقتصادية
المؤشر الأبرز في هذا الحراك يتمثل في طبيعة الملفات المطروحة. فالمسألة لم تعد تقتصر على زيادة التبادل التجاري أو تنشيط العلاقات الاقتصادية التقليدية، وإنما تتجه نحو استكشاف مشاريع استثمارية طويلة الأمد يمكن أن يستفيد منها الطرفان.
ويأتي ذلك في وقت يسعى فيه لبنان إلى استعادة ثقة المستثمرين، بعدما أدى الانهيار المالي والأزمة الاقتصادية إلى تراجع كبير في تدفقات الاستثمار الأجنبي وتجميد العديد من المشاريع.
ومن هنا، فإن عودة الاهتمام
الإماراتي بالسوق
اللبنانية تحمل بعداً اقتصادياً يتجاوز حجم الاستثمارات المحتملة، إذ يمكن أن تشكل عاملاً محفزاً لاستقطاب مستثمرين خليجيين ودوليين آخرين، إذا نجح لبنان في توفير البيئة القانونية والإدارية والمالية المناسبة.
67 شخصية اقتصادية في الوفد الإماراتي
وتتخذ الزيارة زخماً إضافياً مع الإعلان عن قيام وفد اقتصادي إماراتي برئاسة وزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي ويضم 67 من أبرز القيادات الاقتصادية ورجال الأعمال، بزيارة لبنان يومي 26 و27 آب الجاري.
ويعكس حجم الوفد وطبيعة المشاركين فيه اهتماماً بالبحث المباشر عن فرص الأعمال، لا سيما أن اللقاءات المرتقبة ستتيح للشركات الإماراتية الاطلاع على المشاريع والقطاعات التي يمكن الاستثمار فيها، في مقابل تقديم الشركات اللبنانية عروضها وشراكاتها المحتملة.
وبالتالي، فإن القيمة الفعلية للزيارة لن تقاس بعدد الاجتماعات التي ستُعقد، بل بقدرة هذه الاجتماعات على إنتاج مذكرات تفاهم واتفاقات استثمار وشراكات تجارية ومشاريع قابلة للتنفيذ.
أين تكمن الفرص؟
تتعدد القطاعات التي يمكن أن تشكل أرضية مشتركة للاستثمار الإماراتي في لبنان، وفي مقدمتها السياحة والضيافة والعقارات والطاقة والبنى التحتية والتكنولوجيا والخدمات والزراعة والصناعات الغذائية.
ويملك لبنان مقومات يمكن أن تجذب المستثمر الإماراتي، خصوصاً في قطاعات السياحة والخدمات والتكنولوجيا، إضافة إلى وجود شركات لبنانية تتمتع بخبرة واسعة في الأسواق العربية والإقليمية.
لكن في المقابل، فإن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب معالجة مجموعة من العوائق التي لا تزال تواجه المستثمر، وفي مقدمتها البيروقراطية، بطء الإجراءات، عدم استقرار البيئة التشريعية، أزمة القطاع المصرفي، وصعوبة الحصول على التمويل.
الاستثمار في البنى التحتية.. الاختبار الأكبر
قد يكون قطاع البنى التحتية والطاقة من أكثر الملفات أهمية في أي انفتاح استثماري إماراتي محتمل، نظراً إلى حجم الحاجات اللبنانية في هذا المجال.
فلبنان يحتاج إلى استثمارات ضخمة في الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات والمرافئ وسائر القطاعات الأساسية، ما يجعل "الشراكة بين القطاعين العام والخاص" إحدى الأدوات الممكنة لجذب رأس المال الخارجي.
وفي حال توافرت الإصلاحات المطلوبة والأطر القانونية الواضحة، يمكن لهذه المشاريع أن تتحول من عبء على المالية العامة إلى فرص استثمارية، خصوصاً بالنسبة إلى صناديق وشركات تبحث عن مشاريع ذات عوائد طويلة الأمد.
لماذا الإمارات تحديداً؟
تأتي أهمية الحضور الإماراتي من الخبرة المتراكمة التي تمتلكها الشركات والصناديق الإماراتية في إدارة المشاريع الكبرى، ولا سيما في العقارات والسياحة والموانئ والطاقة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا.
كما أن الإمارات تمثل مركزاً إقليمياً للأعمال والاستثمار، فيما يشكل اللبنانيون جزءاً مهماً من مجتمع الأعمال فيها، الأمر الذي يوفر شبكة علاقات يمكن البناء عليها لتطوير شراكات بين القطاع الخاص في البلدين.
ومن هذه الزاوية، فإن الحراك الحالي يمكن أن يشكل فرصة لإعادة بناء جسر اقتصادي مؤسساتي بين لبنان والإمارات، بدلاً من اقتصار العلاقات على المبادرات الفردية أو الاستثمارات المتفرقة.
من الفرصة إلى الاستثمار الفعلي
لكن التحدي الأساسي أمام لبنان لا يكمن في جذب الوفود الاستثمارية فقط، بل في تحويل الاهتمام إلى أموال ومشاريع وفرص عمل.
فالمستثمر يبحث عن بيئة مستقرة، وقوانين واضحة، وقضاء فعال، وإدارة قادرة على إنجاز المعاملات، ونظام مالي ومصرفي يسمح بتحويل الأموال وإدارتها، إضافة إلى رؤية اقتصادية واضحة للدولة.
وعليه، فإن الزيارة الإماراتية المرتقبة قد تكون اختباراً عملياً لقدرة لبنان على تقديم نفسه كسوق استثماري قابل للحياة، وليس فقط كبلد يحتاج إلى المساعدات.
مرحلة جديدة؟
أهمية أكثر من 50 لقاءً اقتصادياً لا تكمن في الرقم بحد ذاته، بل في حجم شبكة التواصل التي يمكن أن تنتج عنها. فإذا نجحت الاجتماعات في إطلاق مشاريع وشراكات حقيقية، فقد تكون الزيارة نقطة بداية لمسار اقتصادي جديد بين
بيروت وأبوظبي.
أما إذا بقيت النتائج في إطار اللقاءات والصور ومذكرات التفاهم غير المنفذة، فستكون الفرصة قد ضاعت مجدداً.
وفي المحصلة، تقف أمام لبنان اليوم فرصة لتحويل الانفتاح الإماراتي إلى رافعة استثمارية، شرط أن تواكب الدولة هذا الانفتاح بإصلاحات حقيقية وبيئة أعمال قادرة على استيعاب رأس المال وتحويله إلى مشاريع منتجة.
فالرسالة الأهم التي تحملها الزيارة ليست فقط أن المستثمر الإماراتي عاد إلى لبنان، بل أن لبنان بات أمام اختبار: هل يستطيع أن يكون وجهة للاستثمار مجدداً؟