أثار توم حرب في حديث لافت عن "خرائط عرضت في مفاوضات روما"، قال انها تكشف وجود موقع شبيه بـ"تلة علي الطاهر" تحت قلعة بعلبك ، وان أنفاقًا في جوارها تمتد إلى جرود كسروإن و جبيل ، اهتمامًا سياسيًا كبيرًا. لكن أهمية الكلام تتجاوز مسألة اثبات وجود الأنفاق من عدمه، خصوصًا ان هذه المعلومات التي طرحها ليست جديدة، وأن مصادر رسمية محلية نفتها كما أن أحدًا من الأميركيين وال إسرائيل يين (رسميين ومصادر) لم يأت على ذكرها. من هذه الزاوية، السؤال الأهم ليس "هل توجد الأنفاق؟"، بل لمإذا جرى ربطها تحديدًا بـ" خرائط روما "؟ فهذه الصياغة تمنح المعلومة غطاءً استخباراتيًا وتفاوضيًا من دون الكشف عن مصدر قابل للتحقق. واذا كانت واشنطن أو اسرائيل تملك فعلًا هذه الخرائط، يبقى غياب أي تبنّ علني لها لافتًا، ولا سيما ان السفير الأميركي لدى تركيا توم براك (الذي لا يفوّت فرصة للحديث عن الوضع في لبنان)، كان اعتبر أن أي تسوية جدّية يجب ان تشمل حزب الله وايران.
وهنا تظهر مفارقة سياسية مهمة. خطاب براك يوحي بمسار تفاوضي يقوم على التعامل مع حزب الله بوصفه فريقًا لا يمكن تجاوزه، بينما رواية حرب تدفع في الاتجاه المعاكس: توسيع صورة حزب الله من قوة عسكرية متمركزة في الجنوب الى منظومة استراتيجية عابرة للمناطق اللبنانية. وبالتالي قد تكون وظيفة الرواية الضغط لمنع اي تسوية تختزل ملف السلاح بالجنوب او بالمناطق التجريبية وحدها. وهذا يقود الى تعديل فرضية أساسية: ليس من المنطقي القول ان الهدف هو إقناع المسيحيين بأن سلاح حزب الله مشكلة، فالقوى المسيحية الرئيسية تعارض اصلًا بقاء السلاح خارج الدولة. الارجح ان المسألة تتعلق بما بعد هذا الموقف: ما معنى نزع السلاح، وما مداه، وهل يقتصر على الجنوب ام يشمل كامل البنية العسكرية السرية؟ اختيار بعلبك ثم كسروإن وجبيل يخدم هذه الحجة تحديدًا. فهو لا يثبت بالضرورة هدفًا طائفيًا، بل يرسم جغرافيًا صورة حزب الله كمنظومة وطنية غير محددة بمنطقة معيّنة، بما يعزز حجة حصرية السلاح بيد الدولة. لكن الأثر الطائفي المحتمل لا ينبغي تجاهله، خصوصًا ان كسروإن وجبيل استقبلتا آلاف النازحين من الجنوب والبقاع والضاحية خلال حرب 2024 ، ومن ثَمّ يمكن لرواية الأنفاق ان تعيد، ولو بصورة غير مباشرة، تفسير تجربة الاستضافة والتضامن السابقة باعتبارها مخاطرة امنية محتملة، ومحاولة ربما لإثارة الحساسية بين المسيحيين والشيعة المؤيدين للحزب.
سياسيًا، المستفيد الأكبر قد يكون كل فريق يريد رفع سقف شروط التسوية مع حزب الله، لا بالضرورة الجهة التي "اخترعت" الرواية. اسرائيل تستفيد من توسيع صورة البنية العسكرية للحزب، وخصومه اللبنانيون يستفيدون من نقل النقاش من "المقاومة" إلى "بنية عسكرية موازية للدولة". أما واشنطن، فقد تستفيد منها كأداة ضغط، لكن لا توجد قرينة كافية على انها مصدرها، خصوصًا مع المسار التفاوضي الذي يظهره براك. اما رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ، فالرواية تقوي نظريًا موقفه حول الدولة والجيش، لكنها قد تضعه امام سؤال خطير: مإذا تفعل الدولة إذا كانت هناك بالفعل بنية عسكرية واسعة خارج سيطرتها؟ لذلك قد تكون الرواية ضغطًا على الرئاسة اكثر مما هي خدمة لها.
تبدو وظيفة "أنفاق بعلبك– كسروان –جبيل" المحتملة هي اعادة تعريف موضوع التفاوض نفسه: ليس كيفية نزع سلاح حزب الله في الجنوب، بل كيفية تفكيك منظومته العسكرية في لبنان كله. هنا تكتسب عبارة "خرائط روما" دلالة أكبر لأنها تمنح الرواية إيحاء بأنها جزء من الملف التفاوضي الأميركي-الإسرائيلي. فهل ستظهر في خطاب واشنطن او اسرائيل، أم ستبقى محصورة في القنوات الإعلامية اللبنانية؟ اذا بقيت محصورة، فإن ذلك يرجّح أنها تخدم غرض ضغط سياسي على مسار التفاوض اكثر مما تعكس معلومة أميركية جرى اعتمادها رسميًا.
المصدر:
النشرة