ن نشرت صحيفة "ناشيونال بوست" الكندية مقالاً للصحافي محمد فهمي تناول فيه الوضع في
لبنان في ظل وقف إطلاق النار مع
إسرائيل ، ومسار المفاوضات بين الجانبين، والجدل الداخلي بشأن سلاح "
حزب الله "، مستعرضاً مشاهداته خلال زيارة إلى
بيروت والجنوب اللبناني.
وقال فهمي في مقاله الذي ترجمه "لبنان24" إن وقف إطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله" أصبح "أكثر هشاشة" مع ارتفاع عدد الضحايا، في وقت تواجه فيه الحكومة
اللبنانية صعوبات في تنفيذ تعهدها بنزع سلاح الحزب، معتبراً أن الخطوة التي طُرحت باعتبارها أساسية لاستعادة سيادة لبنان تواجه تحديات كبيرة على أرض الواقع.
ووصف الكاتب لحظة وصوله إلى مطار بيروت، مشيراً إلى أن ركاب الطائرة صفقوا لدى الهبوط، وفق التقليد اللبناني المعروف. وقال إنه رأى في ذلك تعبيراً عن صمود اللبنانيين الذين يعودون إلى بلادهم رغم
أخبار الحرب والدمار وارتفاع حصيلة الضحايا في جنوب لبنان.
وخلال انتقاله بسيارة أجرة على كورنيش بيروت، سأل السائق عن واقع السياحة، فأجابه بأن الطريق الذي عادة ما يشهد ازدحاماً شديداً أيام السبت أصبح شبه فارغ، مضيفاً أن السياح الغربيين يخشون زيارة لبنان، فيما حذرت دول خليجية مواطنيها من السفر إليه.
وقال السائق: "نعتمد بشكل كبير على اللبنانيين المقيمين في الخارج خلال زياراتهم الصيفية وعلى الدولارات التي يجلبونها. كل ذلك بسبب الحرب، التي يمكن أن تُستأنف في أي لحظة".
وأشار المقال إلى أن أكثر من 800 ألف نازح لبناني عادوا إلى منازلهم في الجنوب منذ وقف إطلاق النار في حزيران، فيما لا يزال مئات الآلاف نازحين داخلياً، ويقيمون في مساكن مؤقتة أو مراكز إيواء جماعية أو لدى عائلات مضيفة، بسبب عدم قدرتهم على العودة إلى قراهم.
وبحسب المقال، بلغت التوترات ذروتها في آذار، بعدما أطلق "حزب الله" صواريخ باتجاه إسرائيل، بعد أيام من بدء
الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات على
إيران .
وسأل فهمي سائق سيارة الأجرة عما إذا كان يعتقد أن الجيش اللبناني سيتمكن من نزع سلاح "حزب الله"، وفق ما ينص عليه الاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل.
وأجاب السائق: "هذا لن يحدث أبداً"، مضيفاً أن الجيش لا يجند عناصره على أساس الانتماء السياسي، لكن أكثر من نصف أفراده من المسلمين الشيعة، بحسب قوله، وأن عدداً من العسكريين لا يزالون موالين لـ"حزب الله" أو متعاطفين معه.
وتابع السائق: "الإسرائيليون يطالبون بما يسمونه نزع سلاح حزب الله بشكل موثّق قبل أن ينسحبوا من قريتي في الجنوب. أقول لك الآن: هذا لن يحدث أبداً". وأضاف أنه شيعي وأن "الدم لا يُنسى"، متحدثاً عن ضرورة الانتقام للقتلى في الجنوب وعدم نسيان من وصفهم بـ"الشهداء".
ترتيبات الجنوب
وبحسب "ناشيونال بوست"، تنص شروط وقف إطلاق النار المبرم في حزيران الماضي على انسحاب عناصر "حزب الله" بالكامل من المنطقة العازلة الممتدة بين الحدود
الإسرائيلية ونهر الليطاني، في مقابل تولي القوات الأمنية اللبنانية السيطرة على "مناطق تجريبية" محددة في الجنوب كانت القوات الإسرائيلية قد احتلتها.
وأشار المقال إلى قرية زوطر الغربية، حيث دُمر نحو ثلاثة أرباع المباني ولا تزال المياه والكهرباء مقطوعتين. وتعمل وحدات من الجيش اللبناني هناك على إزالة الذخائر غير المنفجرة والركام، والتعاون مع السكان لانتشال الجثامين، إضافة إلى التأكد من عدم وجود أي حضور عسكري لـ"حزب الله" في المنطقة.
وأضاف أن
وزارة الخارجية الأميركية تعتبر نموذج "المناطق التجريبية" المسار الوحيد القابل للتطبيق لتحقيق أمن دائم للبنان وإسرائيل والمنطقة، إلا أن الكاتب أشار إلى استمرار مستوى مرتفع من التشكيك بين السكان على الأرض.
وتطرق المقال إلى الاتفاق الذي وقعه لبنان وإسرائيل في
واشنطن في 26 حزيران، واصفاً إياه بأنه أول اتفاق مباشر بين البلدين منذ عام 1983. ووفق الكاتب، يمثل الاتفاق "خريطة طريق" وليس معاهدة سلام، ويقر بسيادة إسرائيل وبحق البلدين في العيش بسلام.
وأشار فهمي في الوقت نفسه إلى أن "حزب الله"، بوصفه طرفاً أساسياً في النزاع، لم يكن من الموقعين على الاتفاق، معتبراً أن ذلك يعكس الفجوة بين الطموحات الدبلوماسية للاتفاق والواقع الميداني.
"دولة داخل الدولة"
وتحدث الكاتب عن تجربته السابقة في لبنان، حيث عمل لمدة عام مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وزار مخيمات للاجئين ومناطق نزاع وسجوناً.
وقال إنه لاحظ، وفق تجربته الشخصية، أن المشتبه في ارتباطهم بـ"حزب الله" نادراً ما كانوا يمضون فترات احتجاز طويلة ضمن النظام القضائي اللبناني الرسمي، مضيفاً أن عدداً قليلاً من سجناء الحزب الذين قابلهم كانوا يُفرج عنهم سريعاً بكفالة أو يُطلق سراحهم.
المفاوضات والتصعيد
وتطرق فهمي إلى متابعته، في 5 آب، محادثات السلام التي استمرت 3 أيام بين دبلوماسيين لبنانيين وإسرائيليين في روما، حيث كان الجانبان يتفاوضان بشأن البنود الأوسع للاتفاق الذي ترعاه الولايات المتحدة.
وخلال المحادثات، أُعلن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة 4 آخرين بانفجار عبوة ناسفة في جنوب لبنان، في حادثة وصفها الجيش
الإسرائيلي بأنها "انتهاك صارخ" من جانب "حزب الله".
وأعقبت الحادثة غارات جوية إسرائيلية وتحذيرات بالإخلاء لقرى في جنوب لبنان، وهو ما اعتبره الكاتب دليلاً على هشاشة وقف إطلاق النار.
وفي 15 آب، وقبل أسابيع من الجولة التالية للمفاوضات، أدت غارات إسرائيلية على جنوب لبنان إلى مقتل 11 شخصاً وإصابة 19 آخرين، في واحدة من أكثر جولات التصعيد دموية منذ بدء الهدنة.
بدوره، اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "حزب الله" بانتهاك وقف إطلاق النار عبر مهاجمة جنود إسرائيليين.
وتحدث فهمي عن مشهد السفارة الأميركية الجديدة الذي رآه من شرفة مرتفعة شمال بيروت، مشيراً إلى أنها ثاني أكبر مجمع للسفارات الأميركية في العالم، وتمتد على مساحة 17 هكتاراً.
وربط الكاتب حجم المجمع وتحصيناته بتاريخ الوجود الأميركي في لبنان، مستذكراً تفجير مقر مشاة البحرية الأميركية في بيروت عام 1983، الذي أسفر عن مقتل 241 عسكرياً أميركياً، والذي نسبه المقال إلى انتحاري مرتبط بـ"حزب الله".
وخلال وجوده في بيروت، قال الكاتب إنه سمع قرابة الظهر صوت طائرة مسيرة في الأجواء، فيما لم يبدِ أصدقاؤه اهتماماً كبيراً بسبب اعتيادهم أصوات الحرب. لكن اللافت بالنسبة إليهم، وفق المقال، أنهم لم يسمعوا صوتاً مماثلاً فوق المدينة منذ أسابيع، ما أعاد التذكير بسرعة إمكانية عودة أجواء الحرب.
ووصف فهمي كذلك التناقض في شوارع بيروت، حيث المطاعم والحانات المكتظة والموسيقى الصاخبة على بعد أمتار من مبان تحمل آثار حروب سابقة، فيما تبقى مناطق تبعد نحو ساعة إلى الجنوب عالقة بين الحياة اليومية واحتمال تجدد العنف.
انقسام لبناني حول السلام
وأشار المقال إلى أن الرئيس اللبناني جوزيف عون، يجد نفسه بين اتجاهين: الأول يرى في أي تسوية مع إسرائيل "خيانة"، والثاني، الذي أنهكته عقود من الحروب والانهيار الاقتصادي، يرى السلام مخرجاً للبنان.
وقال فهمي إنه سمع مراراً من لبنانيين يؤيدون السلام مع إسرائيل عبارة: "لنشرب البيرة في تل أبيب"، وهي مستمدة من مقطع انتشر على نطاق واسع للناشط اللبناني مجد حرب، الذي أجاب بـ"لمَ لا؟" عندما سئل عما إذا كان سيشرب البيرة في تل أبيب، ما أثار نقاشاً منقسماً في
وسائل الإعلام اللبنانية والإقليمية.
وختم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن كثيرين أبدوا انفتاحاً على الفكرة، إلا أن امرأة لبنانية التقاها لخّصت، من وجهة نظرها، الواقع السياسي بقولها: "طالما أن حزب الله موجود، فلن يتمكن أحد من شرب البيرة في تل أبيب".
وخلص فهمي إلى أن السلام بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين بات أقرب إلى "هدنة مؤقتة بين النزاعات" منه إلى واقع دائم.