آخر الأخبار

التصعيد الإسرائيلي جنوبًا يضع الوساطة الأميركية أمام الاختبار الأصعب

شارك
في ضوء ما يشهده الجنوب من تطورات عسكرية توحي بأن إسرائيل تتحضّر لجولة جديدة من العنف، الذي لم تتوقف فصوله، وإن اتخذ في بعض الأحيان أشكالًا متعددة، لم يعد السؤال المطروح في بيروت وفي بعض العواصم المهتمة بالوضع اللبناني عمّا إذا كانت الولايات المتحدة تريد منع انزلاق الجنوب وغيره من المناطق اللبنانية إلى مواجهة واسعة، بل ما إذا كانت لا تزال تملك القدرة على كبح جماح إسرائيل، التي ترى أن مقتضيات أمنها أو حساباتها السياسية والانتخابية تفرض تصعيدًا ميدانيًا. وهذا ما سبق أن أشرنا إليه في أكثر من مقال في هذه الزاوية، إذ أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على استعداد تام لإحراق الجنوب أكثر مما هو محروق إذا رأى أن هذا الحريق يضمن له عودة ميمونة إلى السلطة من جديد في الانتخابات النيابية المقبلة.
وعليه، فإن الولايات المتحدة الأميركية لم تُخفِ، ومنذ توقيع "اتفاق الإطار"، أنها تعتبر تثبيت التهدئة أولوية، ليس فقط لحماية لبنان وإسرائيل من حرب جديدة، بل أيضًا للحفاظ على صدقية الدور الأميركي كوسيط في واحدة من أكثر ساحات الشرق الأوسط حساسية. وقد واصلت، في الأسابيع الأخيرة، رعاية المفاوضات ودفع الطرفين نحو تنفيذ مراحل الاتفاق، بما في ذلك البحث في آليات الانتشار والتحقق. لكن في المقابل، تبدو إسرائيل وكأنها تتحرك وفق إيقاع مختلف. وهذا الاختلاف في المقاربات الأميركية والإسرائيلية يضع الوساطة الأميركية "لاتفاق الإطار" على المحك، مع العلم أن واشنطن تتوجس من أن تؤدي المغامرة الجديدة، التي يقودها نتنياهو في الجنوب، وتحديدًا من تلة علي الطاهر، لضمان عودته إلى السلطة، إلى مضاعفات إقليمية خطيرة من شأنها أن تعيد عقارب ساعة المصالح الأميركية في المنطقة إلى ساعة الصفر، مع ما يعنيه ذلك من تأثر المفاوضات الأميركية – الإيرانية سلبًا لجهة ضمور الحضور الأميركي في منطقة الخليج العربي.
وحيال إصرار إسرائيل على عدم تخّليها عن أهدافها الأمنية، إذ لا تزال تعتبر أن أي انسحاب من الجنوب يجب أن يسبقه، أو يتزامن معه، تغيير جذري في الواقع الأمني، فإن الجولة الثامنة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل المقررة مبدئيًا في أوائل أيلول المقبل في روما لا يزال انعقادها غير مضمون، وذلك استنادًا إلى تصريحات لاكثر من مسؤول إسرائيلي، توحي بأن الضغط العسكري جزء من استراتيجية التفاوض، وليس بديلًا عنها. وهنا تكمن المعضلة، التي تحاول واشنطن إيجاد حل لها عبر موفديها العسكريين، وآخرهم الجنرال جوزف كليرفيلد.
ما بات واضحًا وجليًا هو أن الولايات المتحدة تستطيع أن تضغط، وأن ترعى، وأن تقدم الضمانات، لكنها لا تستطيع، على ما يبدو، أن تلغي تأثير الحسابات الداخلية الإسرائيلية على المسار العام، ولا سيما في مرحلة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الاستحقاقات السياسية. وهذا لا يعني أن الوساطة الأميركية انهارت، بل يمكن القول إنها دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا.
فكلما تقدمت الدبلوماسية خطوة، بدا أن الميدان يفرض إيقاعًا مختلفًا، وكأن الطرفين يتفاوضان بلغتين مختلفتين: واشنطن بلغة التسويات التدريجية، وإسرائيل بلغة الوقائع الأمنية على الأرض.
في المقابل، يدرك لبنان أن أي تدهور واسع ستكون كلفته باهظة، ليس فقط على الجنوب، بل على مجمل المسار السياسي الذي بدأ بعد "اتفاق الإطار". ولذلك، فإن المصلحة اللبنانية تبقى في الحفاظ على وحدة الموقف الرسمي، والاستفادة إلى أقصى حد من الضغط الدولي لتثبيت الالتزامات المتبادلة. ولكن يبقى السؤال الأهم عن مدى قدرة إسرائيل على استخدام التصعيد الميداني جنوبًا لتحسين شروط التفاوض من جهة، أو لتحسين ظروف عودة جديدة لنتنياهو إلى السلطة، أم أن هذا التصعيد قد أصبح هدفًا بحد ذاته؟
وعلى رغم أنه لا توجد إجابة قاطعة حتى الآن لدى الأميركيين ، فإن الثابت أن واشنطن لم تتخلَّ عن وساطتها، ولن تتخلى، كما أن إسرائيل لم تتخلَّ عن خياراتها العسكرية، ولن تتخّلى، وبين هذين المسارين، يبقى الجنوب اللبناني ساحة اختبار يومية لقدرة السياسة على احتواء الميدان.
ولعل أخطر ما في المرحلة الراهنة أن نجاح الوساطة الأميركية لم يعد يُقاس بعدد الاجتماعات أو الجولات التفاوضية، بل بقدرتها على منع أي تطور ميداني من التحول إلى مواجهة لا يريدها لبنان بالتأكيد، لكنها قد تفرض نفسها إذا بقيت الهوة واسعة بين ما تريده واشنطن وما تعتقد إسرائيل أنه يحقق أمنها. ومصالحها السياسية والعسكرية.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا