قد تختلف الطوائف في
لبنان في كثير من التفاصيل، وقد تنقسم السياسة إلى حد القطيعة، لكن ثمة اسمًا يبقى جامعًا فوق كل الانقسامات، وهو اسم مريم، سلطانة السماء والأرض، الذي ارتبط مجدها بمجد لبنان.
فعيد انتقال السيدة
العذراء مريم إلى السماء بالنفس والجسد ليس مجرد مناسبة دينية في الروزنامة الكنسية، بل هو عيد وطني روحي، يكاد يجد صداه في كل بلدة وقرية لبنانية، حيث لا تكاد تخلو منطقة من
كنيسة تحمل اسم العذراء، أو مزار يرتفع على تلة، أو أيقونة تتوسط ساحة، أو مغارة يقصدها المؤمنون طلبًا للسلام والشفاء والرجاء.
في لبنان، لا تُعرف مريم فقط من خلال العقيدة، بل من خلال الحضور اليومي في حياة الناس. فهي "سيدة لبنان"، و"أم النور"، و"سيدة البشارة"، و"سيدة
زحلة "، و"سيدة النجاة" و" سيدة المعونات"وعشرات التسميات التي تعكس علاقة وجدانية عميقة بين اللبنانيين والعذراء، حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية لهذا الوطن.
ولعل ما يميز لبنان عن كثير من البلدان أن محبة العذراء لا تقتصر على
المسيحيين وحدهم، بل تحظى أيضًا بتقدير واحترام لدى عدد كبير من
المسلمين ، الذين يرون فيها رمزًا للطهر والإيمان، ويذكرها القرآن
الكريم بوصفها من أطهر النساء. وهذا ما جعل مريم، عبر التاريخ، مساحة لقاء روحي نادرة في بلد اعتاد الانقسامات.
ويكتسب عيد انتقالها هذا العام رمزية خاصة، فيما لا يزال لبنان يرزح تحت أعباء الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، ويعيش كثير من أبنائه بين الخوف على
المستقبل والحنين إلى وطن أكثر استقرارًا. وفي مثل هذه الظروف، تتحول الصلاة إلى فعل رجاء، ويصبح التوجه إلى المزارات المريمية تعبيرًا عن حاجة الإنسان إلى السكينة، أكثر منه مجرد ممارسة دينية.
ومن يتجول في لبنان يدرك حجم هذا الحضور. من
حريصا ، التي أصبحت مقصدًا للحجاج من مختلف أنحاء العالم، إلى الكنائس الصغيرة المنتشرة في أعالي الجبال، وفي السهول والوديان، حيث تتعانق أجراس الكنائس مع مشهد الطبيعة
اللبنانية ، وكأن مريم تظلل هذا الوطن من أقصاه إلى أقصاه.
وليس مصادفة أن يكون اسمها حاضرًا في أسماء آلاف اللبنانيات، ولا أن تبدأ بيوت كثيرة يومها بالصلاة أمام أيقونتها، ولا أن تُضاء الشموع في كنائسها عند كل محنة وطنية. فقد أصبحت العذراء، في الوجدان اللبناني، أمًا للوطن بقدر ما هي أم للمؤمنين.
واليوم، فيما يحيي اللبنانيون عيد انتقالها إلى السماء بالنفس والجسد، لا يحتاجون إلى معجزة بقدر حاجتهم إلى استعادة الإيمان بأن هذا الوطن، على رغم كل
الجراح ، لا يزال قادرًا على النهوض. فمريم، في التقليد المسيحي، ليست فقط رمزًا للمجد السماوي، بل أيضًا للرجاء الذي يولد من قلب الألم.
لعل أجمل ما يمكن أن يحمله هذا العيد هو أن يتذكر اللبنانيون أن الوطن، مثل العائلة، لا يقوم إلا بالمحبة والتضامن والغفران. وأن مريم، التي تجمع الناس حولها، تدعوهم أيضًا إلى أن يجتمعوا حول لبنان، وأن يجعلوا من اختلافاتهم مساحة حوار لا سببًا للقطيعة.
في عيد انتقال السيدة العذراء، يرفع اللبنانيون صلواتهم من كل كنيسة ومزار، راجين أن يبقى لبنان أرض الرسالة والعيش المشترك، وأن يحل عليه سلام طال انتظاره.
كل عام ولبنان، وكل المؤمنين، بألف خير، في عيد أمٍّ لم تتوقف يومًا عن احتضان هذا الوطن بالصلاة والرجاء.