مجدداً، عادت مؤشرات الانفجار الكبير لتظهر في المنطقة، بعد فترة قصيرة ساد خلالها الاعتقاد بأن المسار التفاوضي قد يكون قادراً على احتواء التصعيد ومنع العودة إلى المواجهة العسكرية الواسعة. لكن ما ظهر في الساعات والأيام الأخيرة اوحى بأن المسافة بين التفاوض والحرب بدأت تضيق مجدداً، وأن نهاية شهر آب قد تكون محطة شديدة الحساسية.
المؤشر الأول يرتبط بمضيق هرمز. فالشروط التي عادت لتظهر قبل الحديث عن إعادة فتح المضيق لا تبدو مرتبطة حصراً بالتفاهم على مسارات المرور أو بالترتيبات التقنية والأمنية لإدارة حركة السفن. وهذا يعني عملياً أن الملف لا يزال جزءاً من التفاوض السياسي والأمني الأوسع، وهو أمر لن يكون مقبولاً بالنسبة إلى
الأميركيين إذا تحول المضيق إلى ورقة ضغط دائمة مرتبطة بمستقبل الاتفاق الشامل مع
إيران .
لكن التطور الأكثر إثارة للانتباه يبقى في الحراك العسكري الأميركي المتزايد في المنطقة. فطائرات التزود بالوقود بدأت تصل مجدداً وبكثافة مرتفعة، بالتوازي مع حركة لطائرات الإنذار المبكر، وهي مؤشرات لا تعني بالضرورة أن قرار الحرب اتُّخذ، لكنها ترفع مستوى الجهوزية وتسمح للقوات الأميركية بالتعامل مع سيناريوهات عسكرية أكبر إذا فشلت المساعي السياسية.
وفي هذا التوقيت تحديداً، جاءت جولة قائد القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" الأدميرال براد
كوبر على كل من البحرين وإسرائيل والكويت، لتضيف المزيد من علامات الاستفهام حول طبيعة المرحلة المقبلة. فالجولة، وفق العناوين المتداولة حولها، لم تكن منفصلة عن دراسة الجبهات المختلفة في المنطقة، بما فيها
لبنان وغزة، وهو ما يعطي الانطباع بأن
واشنطن لا تنظر إلى أي مواجهة محتملة مع إيران باعتبارها معركة محصورة جغرافياً، بل كحدث قد يفتح عدداً من الجبهات في وقت واحد.
ويضاف إلى ذلك ما ورد عن نقل
الولايات المتحدة منظومات دفاع جوي من
آسيا وأوروبا باتجاه المنطقة. وإذا استمرت عملية تعزيز الدفاعات الجوية بهذا الشكل، فإنها ستكتسب أهمية خاصة، لأن واشنطن تدرك أن أي ضربة كبيرة لإيران قد تستدعي رداً واسعاً، سواء بشكل مباشر أو عبر جبهات أخرى، وبالتالي فإن تعزيز الدفاعات يسبق منطقياً أي انتقال محتمل من الضغط السياسي إلى الخيار العسكري.
كل هذه المؤشرات لا تكفي وحدها للجزم بأن الضربة أصبحت محسومة، لكنها ترسم مشهداً واضحاً: الولايات المتحدة ترفع مستوى استعدادها العسكري بالتوازي مع استمرار التفاوض، فيما لا تزال عقدة هرمز حاضرة بقوة على الطاولة.
وعليه، يبدو أن الفترة الممتدة حتى نهاية آب ستكون حاسمة. فإذا لم تنجح المفاوضات في إنتاج اتفاق قادر على معالجة الملفات الكبرى، فإن احتمال انتقال الولايات المتحدة إلى ضربة كبيرة ضد إيران سيصبح أكثر جدية. وعندها لن تكون المشكلة في الضربة نفسها فقط، بل في سلسلة الردود التي قد تنتج عنها.
المفارقة أن الانفجار، إذا وقع، قد لا يكون بديلاً عن الاتفاق، بل الطريق الأكثر خطورة إليه. أي أن المنطقة قد تدخل مواجهة كبيرة أولاً، يحاول خلالها كل طرف تحسين شروطه وفرض خطوطه الحمراء، قبل أن يعود الجميع في النهاية إلى طاولة المفاوضات للبحث عن اتفاق شامل.