يُفترض أن تشكل «استراحة» ما بين الجولتين السابعة والثامنة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعايةٍ أميركية، فسحةً لمعالجةٍ هادئة لخلاصات الأيام الثلاثة من المحادثات التي استضافتْها روما وانتهتْ إلى تأكيدِ محورية هذا المسار في سياق عملية تفكيكِ منظومة النفوذ الإيراني وتفتيتها بتجزئة ساحاتها.
فمع «التقدم الإيجابي في مسألتيْ الحدود البرية والأسرى» الذي أكد حصوله الرئيس اللبناني جوزاف عون، علماً أن هذين الملفيْن هما مِن ركائز الاتفاق النهائي وليس الآني، في مقابل «ربط نزاع» في ما خص المناطق التجريبية وآلية التحقق (والتزام إسرائيل وقف النار الكامل)، تَكَرَّس عملياً «مبرر استمرار» المفاوضات ولو بصيغة «تصريف الأعمال» أو تسييرها، ريثما تَنضج ظروفُ تحقيق الاختراق المطلوب على صعيد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب والذي يوازيه سحْب سلاح «حزب الله» من كل لبنان.
وفي وقت لم يُعلن رسمياً موعد الجولة الثامنة من المفاوضات التي تردَّد أنها مفترَضة أوائل سبتمبر وعلى الأرجح في روما للمرة الثالثة على التوالي، فإن الأسابيع الثلاثة المقبلة يُنتظر أن تشهد محاولاتٍ أميركيةٍ على خطين متوازييْن:
- الأول إبقاء الضغط على بنيامين نتنياهو، لمنْعه من تصعيد الوضع في جنوب لبنان وتَفادي أن تنجرّ إسرائيل إلى «ملعب حزب الله» وتفجّر طاولة المفاوضات بيدها.
ورغم توغلات إسرائيلية عدة في الجنوب وبينها باتجاه بلدة زوطر الغربية (شُملت بالمنطقة التجريبية الاولى وانسحبت إسرائيل من أطرافها التي كانت محتلة) حيث حصل انتهاك صارخٌ برفْع ساتر ترابي جديد في محيط الساحة، برزت مسارعة الجيش الإسرائيلي إلى توضيح أن«إصابة جندي من الكتيبة الهندسية 607 في بلدة الطيري جنوب لبنان حصلت بنيران قواتنا، في موازاة ما كشفتْه صحيفة«يديعوت أحرونوت»عن أن الحزب أطلق خلال الساعات الماضية مسيّرة مفخخة باتجاه قوة عسكرية، من دون وقوع إصابات أو أضرار».
- والخط الثاني الذي ستعمل عليه الولايات المتحدة هو محاولة إبقاء دينامية المناطق التجريبية «حيّة»، ولو عبر جدْولة انسحاباتٍ إسرائيلية من نقاط ومناطق خارج «الخط الأصفر»، وربما في محيط المرحلة الأولى (شملت زوطر الغربية، وفرون وصريفا غير المحتلتين)، في ظل شبه تسليمٍ بأن نتنياهو، لن ينسحب من بلدات داخل «المنطقة الأمنية» قبل انتخاباته وإلا كان كمَن «يطلق النار» على قدميه.
دور تركي
وفي موازاة تقارير عن بحث إمكان أن يكون هناك دور تركي في جنوب لبنان في سياق آلية تحقق أو مرحلة ما بعد «اليونيفيل»، وقد باتتا متشابكتين، برز ما نقلته صحيفة «النهار» تحت عنوان «طرْح تركي لنقل الأسلحة الثقيلة لـ «حزب الله» إلى إيران»؟ وفيه أن ملفَي إسرائيل وعدوانها في الجنوب، ومستقبل سلاح «حزب الله»، حضرا بقوة على طاولة عون والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في أنقرة نهاية الشهر الماضي.
وبحسب التقرير فإن الجانبين «بحثا في نقطة يركز عليها الرئيس اللبناني منذ الأسابيع الأولى لانتخابه وعقده اجتماعات مع قيادة حزب الله، هي كيفية تخليه عن أسلحته الثقيلة من صواريخ ومسيّرات وتسليمها إلى الجيش اللبناني. وطُرح على الطاولة التركية هذه المرة إمكان تسليم السلاح إلى إيران بإشراف القيادتين في أنقرة وطهران، على أن يتزامن الأمر في حال تنفيذه مع انسحاب إسرائيلي من كل الجنوب، بتعهد أميركي ومن أكثر من دولة معنية، بعدم معاودة العدوان».
ووفق التقرير فإن «هذه الآلية لم يقدم الحزب جواباً عنها. وفي حال تحقيق هذا المخرج الذي لا يمكن أن يولد من دون مواكبة أميركية، يتم البحث في مفاوضات روما والعواصم المعنية عن القوة الدولية التي ستشرف على الحدود، مع التوقف عند تل أبيب التي لم توافق حتى الآن على هذه القوة».
ونقل التقرير «أن تركيا لا تعارض الانضمام إلى التسوية، شرط أن تكون بتنسيق مع إيران بعد إنتاج تفاهمها النهائي مع الرئيس دونالد ترامب».
وفيما تنتظر بيروت وصول الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، قريباً لاستكمال البحث في ملفي المناطق التجريبية وآلية التحقّق وأخواتهما، برزت مناخاتٌ بدت أقرب إلى رفع السقف التفاوضي من قِبل لبنان، وتمثّلت في إضفاء ضبابيةٍ حيال مشاركته «غير الأكيدة» في جولة سبتمبر التفاوضية مع إسرائيل ما لم يَسبقها أقلّه وقف النار جدياً ووقف عمليات الحرق والتدمير والتجريف، وهو ما بات حُكماً على جدول أعمال كليرفيلد، في مهمته الصعبة.
«العصا والجزرة»
في موازاة ذلك، انشغلت الأوساط السياسية بارتسام جديد لدبلوماسية «العصا والجزرة» الأميركية حيال لبنان وملف «حزب الله»، وفق ما عبّر عنه مشروع القانون الجديد الذي قدّمه أعضاء في مجلس الشيوخ والذي يجيز تقديم مساعدات أمنية سنوية للقوات المسلحة اللبنانية بقيمة 200 مليون دولار، مع فرض عقوبات على أشخاص أجانب يدعمون تمويل إيران للحزب، وربْط هذه الحزمة بتحقيق بيروت تقدُّم في ملف السلاح وبـ «الفرصة الحقيقية» التي أوجدها ترامب للتغيير «بعدما جمع لبنان وإسرائيل إلى طاولة المفاوضات في أول محادثات مباشرة بينهما منذ 30 عاماً».
ويحمل مشروع القانون الذي قدّمته السناتور جين شاهين، العضو الديموقراطي الأبرز في لجنة العلاقات الخارجية بالاشتراك مع السناتور الجمهوري جيمس لانكفورد اسم «قانون لبنان للعقوبات والاستقرار والدعم».
ويشير المشروع إلى إمكان رفع قيمة المساعدات إلى 300 مليون دولار سنوياً، ويقترح إنشاء صندوق لمساعدة الحكومة اللبنانية على إعادة إعمار البنية التحتية وتمويل الخدمات العامة، في خطوة من الحزبين تهدف إلى البناء على وقف النار الذي توسّطت فيه إدارة ترامب، بين لبنان وإسرائيل، وتهيئة الطريق أمام تسوية أوسع بين البلدين.
وإذ قالت شاهين، إن لبنان لديه «وللمرة الأولى منذ عقود فرصة حقيقية لاستعادة سيادته ونزع سلاح حزب الله والتحرّر من النفوذ الخبيث لإيران بدعمٍ أميركي"، اعتبر لانكفورد، إن "إيران استخدمت حزب الله على مدى عقود لزعزعة استقرار لبنان وإسرائيل وتهديد الأميركيين المقيمين في المنطقة»، مشيراً إلى أن مشروع القانون يفرض عقوبات مشدّدة على الشبكة التي تموّل الحزب، ويوفّر في المقابل مساعدات أمنية للجيش اللبناني، مضيفاً أن «لبنان ذا السيادة يحمي اللبنانيين والإسرائيليين والأميركيين المقيمين في المنطقة، ويفرض ضغطًا حقيقياً على الإرهابيين».
واقترح المشروع منْح الرئيس الأميركي صلاحية فرض عقوبات على أي شخص أجنبي يثبت أنّه يقدم دعماً مادياً لـ «حزب الله»، أو يساهم في تمويل إيران لأنشطة الجماعات المسلّحة في لبنان، أو يعرقل تنفيذ قرارات الحكومة اللبنانية المتعلّقة بحصر السلاح بيد الدولة، أو يؤخّر إصلاحات القطاعين المصرفي والمالي.
ويجيز المشروع تقديم مساعدات أمنية سنوية تشمل 200 مليون دولار ضمن برنامج التمويل العسكري الخارجي، و25 مليون دولار لبرامج مكافحة المخدّرات، و11.5 مليون دولار لبرامج مكافحة الإرهاب وإزالة الألغام، مع إمكان زيادة هذه المبالغ في السنوات اللاحقة إذا أثبتت الحكومة اللبنانية تقدّماً في مواجهة الحزب.
ويحدّد أولويات استخدام هذه المساعدات، وتشمل دعم تنفيذ خطّة نزع سلاح «حزب الله»، مكافحة تهريب الأسلحة والكبتاغون، تجفيف مصادر تمويل الحزب وتعزيز قدرات الجيش وقوى الأمن الداخلي.
ويشترط الإفراج عن أكثر من نصف التمويل بعد أن تؤكّد وزارة الخارجية الأميركية أن الحكومة اللبنانية أعلنت عدم قانونية الأنشطة العسكرية لـ «حزب الله» وأن الجيش اللبناني ينفّذ خطة لحصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح الحزب.