آخر الأخبار

هل يصنع محور طرابلس - بانياس أكبر منصة للطاقة في شرق المتوسط؟

شارك
لم يعد الحديث عن التعاون بين طرابلس اللبنانية وبانياس السورية مجرد فكرة نظرية أو حلم اقتصادي مؤجل. فالمباحثات التي جمعت رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في بغداد، وما تضمنته من دعوة إلى إعادة إحياء خط النفط العراقي - السوري - اللبناني، أعادت إلى الواجهة مشروعاً ظل مجمداً لعقود، لكنه قد يتحول إلى أحد أهم مشاريع الطاقة في شرق المتوسط إذا نجح في تجاوز تعقيداته السياسية والاستثمارية.

وللمرة الأولى منذ سنوات، لم يعد النقاش يدور حول إعادة تشغيل مصفاة طرابلس وحدها أو تأهيل منشآت بانياس بصورة منفصلة، بل حول إنشاء منظومة إقليمية متكاملة تبدأ من حقول العراق، وتعبر سوريا، وتنتهي على الساحل الشرقي للبحر المتوسط. والسؤال الاقتصادي الحقيقي لم يعد: أي الميناءين أفضل؟ بل: هل تستطيع طرابلس وبانياس، إذا تكاملتا، أن تشكلا معاً منصة تنافس أكبر مراكز الطاقة في المنطقة؟

تكمن أهمية المشروع في حجمه قبل أي شيء آخر. فبحسب ما جرى بحثه في بغداد، تدرس وزارة النفط العراقية إنشاء خط أنابيب جديد بطاقة تتراوح بين 1.5 و2.5 مليون برميل يومياً. وإذا تحقق هذا الرقم، فسيصبح أحد أكبر خطوط تصدير النفط في الشرق الأوسط، متجاوزاً القدرة التصميمية لعدد من خطوط المتوسط القائمة، ومضيفاً منفذاً استراتيجياً جديداً لصادرات العراق بعيداً عن الخليج العربي ومضيق هرمز.

وهنا تفرض الأرقام نفسها على النقاش.

العراق يمتلك احتياطيات نفطية مؤكدة تزيد على 145 مليار برميل، وينتج اليوم أكثر من 4 ملايين برميل يومياً، بينما يصدر الغالبية الساحقة من إنتاجه عبر موانئ البصرة جنوباً. وهذا التركّز الجغرافي يجعل صادراته رهينة لأي اضطراب في الخليج، سواء كان عسكرياً أو أمنياً أو حتى مناخياً. لذلك فإن الوصول إلى البحر المتوسط لم يعد مشروعاً سياسياً، بل أصبح ضرورة اقتصادية لتوزيع المخاطر وتحسين القدرة التفاوضية في الأسواق العالمية.

لكن إذا كان العراق يبحث عن منفذ جديد، فهل تكفي بانياس وحدها؟

الجواب الاقتصادي هو: لا.

صحيح أن مصفاة بانياس تمتلك قدرة تكريرية تقارب 120 ألف برميل يومياً، أي ما يزيد على خمسة أضعاف القدرة التصميمية لمصفاة طرابلس، إلا أن مشروعاً بحجم مليوني برميل يومياً لا يحتاج إلى مصفاة فقط، بل إلى منظومة كاملة تشمل التخزين، وإعادة الشحن، والخدمات البحرية، وتموين السفن، والصناعات البتروكيماوية، ومحطات المناولة.

وهنا تظهر الميزة النسبية لطرابلس.

فالمدينة لا تمتلك فقط منشآت نفطية تاريخية، بل تضم خزانات ضخمة يمكن إعادة تأهيلها بكلفة أقل بكثير من إنشاء خزانات جديدة، إضافة إلى مرفأ تجاري، ومنطقة اقتصادية خاصة، ومساحات قابلة للتوسع الصناعي، فضلاً عن قربها من الأسواق اللبنانية والسورية. وإذا ما خُصصت طرابلس لتكون مركزاً للتخزين وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية، بينما تتولى بانياس الجزء الأكبر من عمليات التكرير، فإن المشروع سيتحول من منافسة بين مدينتين إلى سلسلة قيمة متكاملة تخدم الطرفين معاً.

هذه ليست فرضية نظرية، بل النموذج الذي تعتمده أكبر مراكز الطاقة في العالم.

ففي أوروبا، لا يتنافس ميناء روتردام مع أنتويرب على اجتذاب السفن ذاتها، بل يعملان ضمن شبكة واحدة تتجاوز حركة بضائعها 700 مليون طن سنوياً، حيث تتوزع الأدوار بين التخزين، والتكرير، والبتروكيماويات، والخدمات اللوجستية. وفي آسيا، بنت سنغافورة مكانتها العالمية لأنها أدارت سلسلة القيمة النفطية كاملة، لا لأنها امتلكت حقول نفط. أما الفجيرة في الإمارات، فقد أصبحت ثاني أكبر مركز عالمي لتخزين النفط خارج مناطق الإنتاج، بطاقة تخزين تتجاوز 70 مليون برميل، مستفيدة من تكاملها مع موانئ الدولة الأخرى، لا من منافستها لها.

الاقتصاد الحديث لا يقيس نجاح الموانئ بعدد السفن التي تسحبها من جيرانها، بل بحجم القيمة المضافة التي تنتجها داخل شبكة إقليمية.

ومن الناحية المالية، تشير دراسات شركات الطاقة العالمية إلى أن خدمات التخزين والنقل البحري تحقق عوائد أكثر استقراراً من نشاط التكرير نفسه، لأن إيراداتها تعتمد على حجم الحركة التجارية ورسوم الخدمات، وليس فقط على هوامش تكرير النفط التي تتقلب مع أسعار الخام والطلب العالمي. كما أن كل مليون برميل من الطاقة التخزينية يمكن أن يولد ملايين الدولارات سنوياً من رسوم التخزين والمناولة، قبل احتساب العوائد الناتجة عن إعادة التصدير وتموين السفن والخدمات اللوجستية.

وفي المقابل، فإن إنشاء مصفاة جديدة بطاقة تتجاوز 100 ألف برميل يومياً قد يتطلب استثمارات تتراوح بين 5 و7 مليارات دولار، بينما لا تتجاوز كلفة إعادة تأهيل منشآت قائمة جزءاً محدوداً من هذا الرقم. لذلك فإن المنطق الاقتصادي لا يدعو إلى تكرار الاستثمارات، بل إلى توزيع الوظائف بين المنشآت القائمة بما يحقق أعلى عائد ممكن على رأس المال.

غير أن نجاح هذا السيناريو يبقى مشروطاً بعوامل تتجاوز الاقتصاد. فهو يحتاج إلى استقرار سياسي في سوريا، وبيئة استثمارية مستقرة في لبنان، وضمانات قانونية للشركات الدولية، إضافة إلى تفاهمات إقليمية تتيح تشغيل خطوط الطاقة بعيداً من الصراعات العسكرية والعقوبات.

ومع ذلك، فإن ما جرى في بغداد يحمل دلالة مهمة. فبعد سنوات من الحديث عن إعادة إعمار المشرق، بدأ يظهر للمرة الأولى مشروع اقتصادي عابر للحدود يمكن أن يحقق منفعة مشتركة للعراق وسوريا ولبنان، ويعيد رسم وظيفة الساحل الشرقي للمتوسط ضمن خريطة الطاقة العالمية.

لذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم هو: هل ستربح طرابلس أم بانياس؟

بل: هل يدرك المشرق أخيراً أن التكامل الاقتصادي أكثر ربحية من المنافسة السياسية؟

فإذا نجح هذا المشروع، فلن يكون مجرد خط أنابيب جديد، بل قد يصبح بداية ولادة أحد أهم محاور الطاقة واللوجستيات في شرق المتوسط، في وقت يعيد فيه العالم كله رسم خرائط أمن الطاقة وسلاسل الإمداد. وربما تكون هذه هي الفرصة التي انتظرها لبنان طويلاً: أن يعود إلى الاقتصاد عبر الجغرافيا، لا عبر المصارف وحدها.
MTV المصدر: MTV
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا