آخر الأخبار

رياض سلامة قيد التوقيف مجددا.. الحسم بالوقائع لا بالمفاضلة بين روايات متقابلة

شارك
بعد أقل من عام على خروجه من السجن، عاد حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة إلى سجن رومية موقوفًا. ففي أيلول 2025، أُخلي سبيله بعد نحو 13 شهرًا من الاحتجاز، إثر دفع كفالة بلغت 14 مليون دولار وخمسة مليارات ليرة لبنانية ، وُصفت بأنها الأعلى في تاريخ القضاء اللبناني. أما هذه المرة، فنُقل من المستشفى إلى السجن بعدما تعذّر مثوله أمام القضاء في قضية مالية جديدة، وبعد صدور بلاغ بحث وتحرٍّ بحقه ووضعه تحت الحراسة الأمنية.

لا يشكل التوقيف الحالي امتدادًا مباشرًا للملف الذي أوقف سلامة على ذمته عام 2024، والمتعلق بعقود بيع وشراء سندات خزينة وشهادات إيداع أبرمتها شركة "أوبتيموم إنفست" مع مصرف لبنان . فالقضية الجديدة تتصل باكتتابات وتوظيفات مالية أجراها المصرف المركزي مع شركات وصناديق خلال ولاية سلامة، وبمبالغ تقول المعلومات المرتبطة بالتحقيق إنها قاربت 266 مليون دولار، يُشتبه في أنها دُفعت على شكل عمولات ورسوم غير مشروعة.

يدفع وكيل سلامة، المحامي وسيم الغاوي، برواية مختلفة جذريًا. ففي بيان صدر بعد جلسة استجواب في حزيران، قال إن المبالغ المذكورة تمثل قروضًا منحها مصرف لبنان عام 2010 في إطار دوره في الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي، وإنها استُردت كاملة وحقّقت للمصرف أرباحًا بلغت 33 مليون دولار.

من الخروج بكفالة إلى العودة موقوفًا

بدأ توقيف سلامة السابق في أيلول 2024، بعد استجوابه في ملف "أوبتيموم إنفست"، على خلفية شبهات مرتبطة بعمليات بيع وشراء سندات خزينة وشهادات إيداع بين الشركة ومصرف لبنان. وانتهى ذلك التوقيف بإخلاء سبيله في أيلول 2025 مع منعه من السفر، فيما بقيت التحقيقات والإجراءات القضائية مفتوحة. لذلك، لا تمثل عودته إلى رومية استئنافًا لذلك الاحتجاز أو تراجعًا عن قرار إخلاء السبيل، وإنما توقيفًا جديدًا على ذمة قضية مختلفة في وقائعها ومسارها وأدلتها.

عمليًا، لم يبدأ تحرك مصرف لبنان ضد حاكمه السابق مع التوقيف الأخير. فمنذ كانون الثاني 2026، اتخذ الحاكم كريم سعيد صفة الادعاء باسم المصرف في قضايا تتصل بأموال يُشتبه في الاستيلاء عليها عبر شركات وهمية وتحقيق إثراء غير مشروع. توسع المسار لاحقًا ليشمل مصرفيين ورجال أعمال وموظفين سابقين في المصرف المركزي وجهات تدقيق، ما أظهر أن الحاكمية الجديدة تحاول إعادة فحص بعض العمليات التي أُجريت خلال المرحلة السابقة، بدل التعامل معها بوصفها وقائع مالية منتهية.

الجديد الفعلي هو انتقال هذه الملاحقات من مرحلة الشكاوى والاستجوابات المتقطعة إلى احتجاز سلامة مجددًا. لكن هذا الانتقال لا يحسم صحة الاتهامات، كما أن كثرة الملفات لا تسمح بدمجها في قضية واحدة. فملف "أوبتيموم إنفست" يختلف عن ملف "فوري"، وكلاهما يختلف عن الشكاوى المتعلقة بالشركات الوهمية أو بقروض وعمليات مرتبطة بمصارف ومستثمرين. صحيح أنّ جمع هذه الملفات تحت عنوان واحد قد يصنع انطباعًا سياسيًا قويًا، لكنه يطمس الفروق الضرورية لتحديد العملية والمسؤولية والمستفيد في كل قضية.


لا يستطيع القضاء محاكمة "الانهيار المالي" بوصفه واقعة عامة بدأت عام 2019 وأفقدت المودعين القدرة على التصرف بأموالهم. فالمحاكمة لا تُبنى على توصيف عام للانهيار، وإنما على إثبات قرارات محددة ومسارات مالية واضحة، وتحديد الجهات التي استفادت منها وما إذا كانت قد خالفت القانون. من هنا تأتي أهمية الخلاف حول الـ266 مليون دولار، لأن الحسم لا يكون بالمفاضلة بين روايتين متقابلتين، وإنما بفحص العقود والقيود المحاسبية وقرارات المجلس المركزي، وتحديد طبيعة الشركات التي حصلت على الأموال، ومسار استردادها، وكيفية احتساب الأرباح التي يتحدث عنها الدفاع.

مع ذلك، يحمل التركيز على سلامة وحده خطرًا مقابلًا. فقد أمضى ثلاثة عقود في حاكمية مصرف لبنان ، وكان صاحب تأثير واسع في السياسات النقدية والهندسات المالية، لكن القرارات الكبرى لم تُتخذ في فراغ مؤسسي. شاركت فيها مجالس مركزية وحكومات ومصارف تجارية وجهات رقابية وشركات تدقيق، واستفادت منها قوى اقتصادية وسياسية قبل أن تتحول الخسائر إلى أزمة عامة. من هنا، فإنّ حصر المسؤولية بالحاكم السابق قد يمنح الرأي العام متهمًا واضحًا، لكنه قد يسمح لبقية مكونات النظام المالي بتقديم نفسها باعتبارها ضحية لقرارات رجل واحد.

تُقاس جدية المسار القضائي، لذلك، بما يحدث بعد توقيف سلامة، لا بالتوقيف نفسه. فالمطلوب تحديد مصير الأموال، والوصول إلى المستفيدين والوسطاء، ومساءلة من وافق على العمليات أو دقق فيها أو غطّاها، واستعادة ما يمكن إثبات أنه خرج من أموال مصرف لبنان بطرق غير مشروعة. كما يقتضي الإنصاف عدم تحويل الاشتباه إلى إدانة مسبقة، خصوصًا حين يقدم الدفاع رواية مضادة يقول إنها تستند إلى مستندات تتعلق بطبيعة العمليات ونتائجها المالية.

وجود رياض سلامة في رومية لا يثبت وحده أن لبنان بدأ محاسبة المسؤولين عن الانهيار، مثلما لا ينفي أهمية ملاحقته في كل ملف تتوافر فيه أدلة جدية. لكنّ الاختبار الحقيقي يبقى في ما إذا كان التوقيف سيفتح الطريق أمام تفكيك القرارات والعلاقات المالية التي صنعت الخسائر ووزعت منافعها، أم سيبقى المشهد محصورًا بصورة الحاكم السابق خلف القضبان. عندها يتبين إن كانت المحاسبة قد بدأت من رياض سلامة، أم انتهت عنده.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا