آخر الأخبار

شوارع بيروت تحفظ الذاكرة... زياد الرحباني وأحمد قعبور من المسرح إلى خرائط العاصمة

شارك
ليست أسماء الشوارع مجرد عناوين جغرافية، بل هي سجل لذاكرة المدن، تعكس الشخصيات التي صنعت تاريخها وأسهمت في تشكيل هويتها. ومن هذا المنطلق، تكتسب مبادرة محافظ بيروت مروان عبود، بإحالة اقتراحين إلى المجلس البلدي لتسمية شارعين في العاصمة باسمَي الفنانين الراحلين زياد الرحباني وأحمد قعبور، أهمية تتجاوز الجانب الإداري، لتتحول إلى خطوة تحمل أبعادًا ثقافية ووطنية ورمزية في آن واحد.

فالاقتراح يقضي بإطلاق اسم زياد الرحباني على أحد شوارع رأس بيروت، فيما يحمل أحد شوارع عين المريسة اسم أحمد قعبور، في تكريم يأتي بعد رحيل اثنين من أبرز صناع المشهد الثقافي اللبناني، اللذين تركا بصمة استثنائية في الموسيقى والمسرح والأغنية الملتزمة، وأسهما في رسم ملامح الهوية الثقافية للبنان الحديث.

تكريم متأخر... لكنه دائم

اعتاد لبنان أن يكرّم مبدعيه بالجوائز والأوسمة والاحتفالات، إلا أن تخليد أسمائهم في الفضاء العام يبقى أقل شيوعًا، وغالبًا ما يأتي بعد رحيلهم. لذلك، فإن إطلاق أسماء الفنانين على الشوارع يحمل دلالة مختلفة، لأنه يحول التكريم من مناسبة عابرة إلى جزء دائم من المشهد العمراني، بحيث يصبح اسم المبدع حاضرًا في الحياة اليومية للأجيال المقبلة.

ولا يقتصر هذا التقليد على لبنان، بل تعتمد عليه كبريات المدن العالمية التي تعتبر أن شوارعها وساحاتها جزء من ذاكرتها الجماعية، فتخلد عبرها أسماء الأدباء والموسيقيين والعلماء والسياسيين الذين تركوا أثرًا في تاريخها.

لماذا بيروت؟

لا يبدو اختيار بيروت اعتباطيًا، فالعاصمة كانت الحاضنة الأساسية لتجربة زياد الرحباني الفنية والفكرية، ومنها انطلقت مسرحياته التي أعادت تعريف المسرح السياسي الساخر في العالم العربي، كما شهدت ولادة معظم أعماله الموسيقية التي مزجت بين الموسيقى الشرقية والجاز والإيقاعات الغربية، وقدمت قراءة نقدية للمجتمع اللبناني خلال الحرب وبعدها.

أما أحمد قعبور، فارتبط اسمه ببيروت كما ارتبط بأغنياتها وشوارعها وناسها، وشكلت أعماله جزءًا من الذاكرة الوطنية، خصوصًا تلك التي تناولت قضايا الإنسان والوطن، لتصبح أغنياته من العلامات الفارقة في تاريخ الأغنية اللبنانية الملتزمة.

زياد... ليس التكريم الأول

ورغم أن خطوة بلدية بيروت تحمل رمزية استثنائية، فإن اسم زياد الرحباني سبق أن دخل سجل أسماء الشوارع اللبنانية، بعدما قررت بلدية الميناء في طرابلس إطلاق اسمه على أحد شوارع المدينة تكريمًا لمسيرته الفنية والإبداعية.

لكن تسمية شارع في بيروت تحمل معنى مختلفًا، فالعاصمة ليست مجرد مكان عاش فيه زياد الرحباني، بل كانت المختبر الحقيقي لأفكاره وموسيقاه ومسرحه، ومنها خاطب اللبنانيين بلغتهم اليومية، وقدم أعمالًا أصبحت جزءًا من الذاكرة السياسية والاجتماعية والثقافية للبلاد.

من التكريم إلى حفظ الهوية

ويرى متابعون أن المبادرة تفتح الباب أمام مقاربة جديدة في التعامل مع الإرث الثقافي اللبناني، تقوم على إدماج رموزه في الفضاء العام، بدل الاكتفاء بتخليدهم في المناسبات الرسمية أو عبر إطلاق الجوائز بأسمائهم.

فالمدن التي تحتفي بمبدعيها لا تحفظ أسماءهم فحسب، بل تحافظ على هويتها أيضًا، إذ تتحول الشوارع إلى محطات تروي تاريخ المكان وسكانه، وتربط الأجيال الجديدة بشخصيات صنعت وجدان المجتمع.

وفي بلد يواجه تحديات سياسية واقتصادية متراكمة، تبدو الثقافة إحدى الركائز القليلة القادرة على جمع اللبنانيين حول ذاكرة مشتركة، وهو ما يجعل مبادرة تسمية الشوارع تتجاوز بعدها البلدي، لتصبح رسالة بأن الإبداع يبقى من أكثر ما يوحد اللبنانيين، حتى في أكثر المراحل انقسامًا.

ويبقى القرار النهائي بيد مجلس بلدية بيروت، لكن مجرد طرح الاقتراحين يعكس توجهًا نحو إعادة الاعتبار للرموز الثقافية اللبنانية، وتكريس حضورها في قلب العاصمة، ليس فقط عبر الأغنيات والمسرحيات والكتب، بل أيضًا على اللافتات التي تحمل أسماء الشوارع، حيث تصبح الذاكرة جزءًا من الجغرافيا، والإبداع عنوانًا دائمًا للمدينة.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا