آخر الأخبار

لبنان الأرض

شارك

"عَلَينا أن نُحِبَّ أبناءَ وَطَنِنا... أن نُحِبَّ المَوتى والأحياءَ مِنهُم. فَقَد أعطونا حَياتَهُم وَجاهَدوا مِن قَبلِنا في الدِفاعِ عَنِ الوَطَنِ، فَماتوا في الوِديانِ والحُقولِ. وَها إنَّ قُبورَهُم تُذَكِّرُنا بِهِم. فَلنُكَرِّم الأرض َ، وَنُحِبَّ الأرضَ، وَنُدافِعَ عَنِ الأرضِ الَتي ضَمَّت رُفاتَهُم... إنَّ البَشَرَ يَشعُرونَ بِرابِطَةٍ قَوِيَّةٍ عِندَما يَفتَكِرونَ بِأنَّ الأرضَ الَتي حَمَلَتهُم وَغَذَّتهُم، وَهُم أحياءٌ، سَتَضُمُّهُم في حَشاها بَعدَ المَماتِ، فَتَختَلِطَ رُفاتُهُم مَعَ بَعضِها."

أمُجَرَّدُ إيمانٍ ذُروَةٍ أرسى أُسُسَهُ، في مَنشورِهِ الأخيرِ "مَحَبَّةُ الوَطَنِ" (العامَ 1931)، الطوباوِيُّ البَطرِيَركُ الياسُ الحُوَيِّكُ "أبُ لبنان َ الكَبيرِ" عَلى ما أسماهُ الحَبرُ الأعظَمُ البابا لاونُ الرابِعُ عَشَرُ؟ أوَطَنِيَّةٌ قُصوى أعلاها، جاعِلاً مُنطَلَقَها وَمَقَرَّها الأرضَ؟

البَطرِيَركُ الذي إنتَزَعَ لبنانَ الكَبيرَ بِقَداسَتِهِ لا بِأيِّ قُوَّةٍ دُنيَوِيَّةٍ مُدَّعِيَةٍ، أبلَغُ مَن أدرَكَ أنَّ ما القَداسَةُ إن لَم تَكُن مُتَجَسِّدَةً في أرضٍ؟! هيَ لَيسَت إنسِحاباً مِن رُسوٍّ بَل كَيانِيَّةٌ صَلبَةٌ، أساسُها فِعلُ الحُبِّ الكامِلِ. بِهِ، وَمِنهُ، وَفيهِ، وَعَلَيهِ، إرتِباطُ العُبورِ مِنَ الهُنا الى الما بَعدَ. مِنَ الحَياةِ الفانِيَةِ الى الحَياةِ الباقِيَةِ.

أهوَ لبنانُ الإحتِضانُ، لِلبَشَرِ؟ هَكَذا أرادَهُ الطوباوِيُّ مُؤَسِّسُ كيانِيَّتِهِ الجيوسياسِيَّةِ، في ذُروَةِ عَصرِ أُفولِ إمبراطورِيَّاتِ إفناءٍ وَبُزوغِ أُخرى، عَصرِ تَصارُعِ مُغالاةِ الإلحادِ وَغُلوِّ التيوقراطِيَّةِ. عَصرِ الإلغائِيَّاتِ المُبيدَةِ.

هوَ لبنانُ الأرضُ ألْهيَ الكُلُّ لِلكُلِّ بِالكُلِّ، لِمَن دافَعَ عَنها وَماتَ لِأجلِها لِتَبلُغَ بِهِ حَياتَها... وَيَبلُغَ بِها حَياتَهُ. هيَ الوجودُ الوَحيدُ المُعطى لِتَكامُلِ مُنتَهى الحُبِّ بِالحُبِّ. مُبادَلَةٌ هيَ بِرَحابَةِ الحَياةِ الأقوى مِنَ الهَرَبِ الدائِمِ، والأبقى مِنَ الفَراغِ القائِمِ. لا! لَيسَت هيَ حالَ شَقاءٍ لِمَرضاةِ حالِ الفَناءِ. بَل القَلبُ الَذي يُدرَكُ بِهِ عِناقُ السابِقِ بِاللاحِقِ، واللاحِقِ بِالآتي أبَدِيَّةً. وَهُنا ذُروَةُ قَداسَةِ القَلبِ بِالعَقلِ: إدراكُ مَدارِكَ الإتِّحادِ الأفعَلِ، لِأنَّهُ الأنقى والأصدَقُ. إتِّحادُ التَجَسُّدِ في الحَشى، في العُمقِ، لا في آفاقٍ قَد تُدرَكُ أو لا.

هوَ لبنانُ الأرضُ مَعرِفَةُ الإنسانِ البالِغَةِ الصَميمَ، إذِ الصَميمُ هوَ القُوَّةُ الأحَقُّ مَهما تَألَّبَت عَلَيهِ دَوافِعُ سَحقِهِ. هوَ مَن يَقوى وَيُقَويِّ، التَعزِيَةُ وَمَن يُعزّي، القَضاءُ. وَمَن يَبغي سَحقَهُ لا يَعرِفُ شَيئاً مِن كُلِّ ذَلِكَ.

هوَ لبنانُ الأرضُ عَظَمَةُ الإنسانِ لِأنَّهُ عَظَمَةُ كُلِّ البَشَرِ. وَسِرُّهُ أنَّهُ لَيسَ بِتُرابٍ ناحِلٍ مُتَساوٍ مَعَ الزَوالِ، وَلَيسَ بِجَهلٍ فاقِعٍ مُتَساوٍ مَعَ حَقارَةِ اللابَقاءِ. طَبيعَتُهُ أنَّ تُربَتَهُ مِن رُفاتِ مَن أحَبَّهُ حَدِّ الدِفاعِ عَنهُ، وَمَن دافَعَ عَنهُ حَدَّ إكرامِهِ... وَواسِطَةُ العَقدِ بَينَ الإثنَينِ: الحُبُّ!

حَقيقَةُ الأُلوهَةِ

في هَذا الكَشفِ لِلبنانَ-الهَوِيَّةِ، لا إنكِشافُ فَلسَفَةٍ مَجبولَةٍ بِاللاهوتِ لإعلاءِ شأنِ وَطَنٍ. بَلِ الأكثَرُ-الأهَمُّ، هوَ ما إبتَغاهُ البَطرِيَركُ الطوباوِيُّ، شَفيعُ لبنانَ. مُبتَغاهُ: كَشفُ حَقيقَةِ فِعلِ لبنانَ. بِهِ، وَمِنهُ، وَفيهِ، وَعَلَيهِ، الأُلوهَةُ حَقيقَةُ مَعرِفَةٍ أبقى وَأقوى مِن فَسادِ طَبيعَةِ الإنسانِ لِطَبيعَةِ أرضِهِ.

حَقيقَةُ الأُلوهَةِ، بِلبنانَ وَمِنهُ، هِبَةُ الإيمانِ الحَيِّ أبَداً.

حَقيقَةُ الأُلوهَةِ، في لبنانَ وَعَلَيهِ، قاعِدَةُ الخَلاصِ الفاعِلِ أبَداً.

هوَ البَطرِيَركُ الطالِعُ بِلبنانَ وَفيهِ صَوبَ الأُلوهَةِ عاشَها وَشَهِدَ لَها، بِما لَم يَقُلهُ غَيرُهُ. وَهوَ بِأروَعَ مِقياسٍ كَرَّسَها بَعدُ بِجِدَّةٍ أكبَرَ-أحَقَّ... بِما لا يُقاسُ وَلا حَدَّ لَهُ: "إنَّ المَسيحِيَّ الحَقيقِيَّ، والوَطَنِيَّ الحَقيقِيَّ، يَرى في الأرضِ الَتي يَكتَسِبُ مِنها مَعاشَهُ أرضَ اللهِ، وَمَن خانَها فَقَد خانَ اللهَ." (مَحَبَّةُ الوَطَنِ).

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا