آخر الأخبار

من فيول الطوارئ إلى خط البصرة–طرابلس.. التحدي في بناء دولة يمكن أن يمر عبرها الخط

شارك
لم تعد العلاقة النفطية بين لبنان والعراق محصورة باتفاق يوفّر الفيول لمعامل الكهرباء ويمنع العتمة الشاملة. فالزيارة التي أجراها رئيس الحكومة نواف سلام إلى بغداد فتحت نقاشًا أوسع حول ربط لبنان بخط "البصرة– طرابلس "، والاستفادة من قدراته التخزينية، والتوجه إلى إنشاء مصفاة جديدة، إلى جانب إعادة تأهيل الخزانات وتشكيل لجنة فنية مشتركة لدرس المشاريع المقترحة.

يحمل هذا الطرح تحوّلًا في الوظيفة التي يريد لبنان أداءها. فبدل أن يبقى مستهلكًا ينتظر الوقود العراقي لتشغيل معامل متعثرة، يحاول أن يقدم نفسه شريكًا في نقل النفط وتخزينه وتكريره، مستفيدًا من موقع طرابلس على المتوسط ومن منشآت قائمة أصلًا. فقد أُنشئت مصفاة طرابلس عام 1940 بطاقة بلغت نحو 21 ألف برميل يوميًا، حين كان النفط العراقي يصل من كركوك عبر سوريا ، قبل أن تتوقف عن أداء دورها بفعل الحروب والتحولات الإقليمية.

تتجاوز الفكرة إذًا مسألة الحصول على شحنة جديدة أو تجديد اتفاق قائم. وبالتالي، فإنّ السؤال الذي تفتحه زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى بغداد هو ما إذا كان لبنان قادرًا على الانتقال من دولة تستفيد من النفط العراقي إلى دولة تدخل في سلسلة نقله وخدماته، أم أن الحديث عن الخطوط والمصافي سيبقى أكبر من قدرة الدولة وبنيتها التحتية على تحويل الجغرافيا إلى دور اقتصادي فعلي.

من مستفيد من النفط إلى شريك في نقله

عمليًا، يحاول الطرح الجديد قلب معادلة بقيت فيها العلاقة، خلال المراحل السابقة، أقرب إلى مساعدة حيوية تُبقي مؤسسة كهرباء لبنان عاملة منها إلى شراكة استثمارية متكاملة. أما اليوم، فيقوم التصور المطروح على منح العراق منفذًا وخدمات على المتوسط، ومنح لبنان دورًا في التخزين والتكرير والنقل.

يمكن لهذا التحول، إذا انتقل من النقاش السياسي إلى التنفيذ، أن يعيد وضع طرابلس والشمال في قلب خريطة اقتصادية إقليمية. فالمدينة لا تملك مرفأ فقط، وإنما بنية نفطية وخزانات ومساحات يمكن إعادة تأهيلها وتطويرها، بما يسمح بإنشاء خدمات لوجستية وصناعية مرتبطة بالطاقة. عندها لا تعود قيمة المشروع محصورة بالنفط الذي قد يصل إلى لبنان، وإنما بالوظائف والاستثمارات والرسوم والخدمات التي يمكن أن تنشأ حوله.

يأتي الطرح اللبناني في وقت يعيد فيه العراق البحث عن منافذ متعددة لوصول نفطه إلى البحر المتوسط. فقد وقعت بغداد ودمشق مذكرة تفاهم لإعادة تأهيل أنبوب "حديثة–بانياس"، في مشروع منفصل عن الأفكار التي بحثها سلام في العراق. لا يعني ذلك أن المسارين يشكلان شبكة واحدة معلنة، لكنهما يتقاطعان في سعي العراق إلى تنويع طرق التصدير، وفي محاولة سوريا ولبنان استعادة جزء من دور فقداه مع توقف خطوط النفط القديمة.

خريطة إقليمية فوق بنية لبنانية متعبة

لا يكفي الموقع الجغرافي، مع ذلك، كي يتحول لبنان تلقائيًا إلى عقدة طاقة. فالخط المقترح يحتاج إلى تحديد مساره وطريقة النقل والجدوى الاقتصادية منه، فيما تحتاج الخزانات والمصفاة والمرفأ إلى تأهيل وتمويل وإدارة قادرة على تشغيلها وفق معايير تجارية وأمنية وبيئية واضحة. لذلك تبدو اللجنة الفنية المشتركة بداية لازمة، لكنها لا تشكل بحد ذاتها ضمانة لانتقال المشروع إلى التنفيذ.

تكمن المفارقة في أن لبنان يريد أن يصبح جزءًا من شبكة إقليمية لنقل الطاقة، بينما لا يزال عاجزًا عن تأمين الكهرباء بصورة مستقرة أو إدارة قطاعه النفطي وفق نموذج مؤسسي ثابت. فالمنشآت القائمة تحمل قيمة تاريخية ولوجستية، لكنها تحتاج إلى استثمارات كبيرة لتصبح قاعدة لمخزون استراتيجي أو مركزًا للتكرير والتوزيع. كما أن إنشاء مصفاة جديدة ليس مشروعًا سياسيًا فقط، وإنما قرار اقتصادي يرتبط بحجم الإمدادات والأسواق والتمويل وكلفة التشغيل.

يطرح المشروع أيضًا سؤال الإدارة قبل سؤال الهندسة. فمن سيتولى تشغيل المنشآت؟ وكيف ستُدار الاستثمارات والعائدات؟ وهل ستكون الشراكة بين الدولتين، أم ستدخل فيها شركات خاصة ودولية؟ وما الضمانة ألّا يتحول قطاع جديد إلى مساحة للمحاصصة والهدر، كما حصل في قطاعات أخرى؟ لا يستطيع لبنان إقناع العراق أو أي مستثمر بوضع أموال طويلة الأجل في منشآته ما لم يقدّم نموذجًا واضحًا للحوكمة والحماية والاستمرارية.

تحمل زيارة بغداد، بهذا المعنى، فرصة تتجاوز اتفاق الفيول، لكنها تحمل أيضًا اختبارًا لقدرة الدولة على الانتقال من إعلان الطموحات إلى إعداد المشاريع. فالعراق يملك النفط ويبحث عن منافذ، ولبنان يملك الموقع وبعض البنية التحتية ويبحث عن دور. غير أن جمع العنصرين يحتاج إلى أكثر من ذاكرة خط قديم أو تفاهم سياسي جديد.

يريد لبنان أن يعود عقدة في شبكة طاقة إقليمية، فيما لا يزال عاجزًا عن إدارة حاجاته الأساسية بانتظام. وبين هذا الطموح والواقع تقع المسافة الفعلية بين قيمة الموقع الجغرافي وقدرة الدولة على تحويله إلى دور. لذلك، لا يبدأ امتحان خط "البصرة–طرابلس" من وصول أول برميل إلى الساحل، وإنما من قدرة لبنان على بناء الدولة التي يمكن أن يمر عبرها هذا الخط.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا