آخر الأخبار

مصير الجنوب يُبحَث في روما... والقرار في مكان آخر!

شارك

يُمثّل اجتماع روما المرتقب في الرابع والخامس من آب المقبل جولة مفاوضات عسكرية وتقنية بالغة الحساسية بين لبنان و إسرائيل ، حيث سيتم التركيز على ملفات ميدانية دقيقة تشهد تباينًا حادًا في الأهداف بين الفريقين. ومن المُرتقب أن تُفتتح الجلسات بإجراء تقييم للمرحلة التجريبية الأولى، لجهة مراجعة نتائج انتشار الجيش اللبناني في مناطق الانسحاب الأولية، لا سيما من بلدة زوطر الغربية، قبل عرض المطالب المتبادلة. ماذا في التفاصيل؟

وبحسب المعلومات المتوفّرة، فإنّ الوفد اللبناني المفاوض الذي من المُقرّر أن يضمّ عسكريين ودبلوماسيين سيُطالب بتوسيع " المناطق التجريبية " لتشمل قرى وبلدات أخرى، على أن يعرض خرائط تفصيلية في هذا السياق. وسيحرص على انتزاع التزامات بانسحابات جزئية إضافية على طريق الانسحاب من كامل الجنوب. كما وسيُكرّر الدعوة إلى الالتزام بوقف النار، وبالإقلاع عن عمليات التفجير في المناطق المُحتلّة، وبأن تكون مسألة الإشراف على تطبيق بنود اتفاق الإطار منوطة بجهات أممية ودَولية.

في المقابل، يستعد الوفد الإسرائيلي المفاوض -وأيضًا بحسب المعلومات المتوفرة- لحرف المفاوضات عن مسارها، وإضاعة الوقت بمطالب شبه تعجيزية، منها مثلاً الضغط على الجانب اللبناني لاعتماد آليات تدقيق صارمة تشمل أسماء العائدين، بذريعة منع عودة أي مقاتل من " حزب الله "، والقيام بعمليات تفتيش دَوريّة للتأكد من خلو المنازل والبلدات بشكل تام من أي أسلحة. ومن المتوقع أن يُحاول الوفد تبرير الخروقات التي تقوم بها قوات الاحتلال بوضعها في خانة إزالة مخاطر آنية، وأن يضع "فيتوات" على جنسيات عدّة يرفض أن تتولّى آلية المراقبة الدولية على مسار تنفيذ الاتفاق.

وبين الموقفين المتناقضين المُرشّح أن ينعكسا سلبًا على مسار المفاوضات، خصوصاً وأنّ لبنان يرفض تنفيذ أي مطلب يمسّ السيادة الوطنية، على غرار التدقيق في الهويات بناء على لوائح اسمية مرفوعة من قبل الجانب الإسرائيلي، الآمال كبيرة بأن تنجح الضغوط الأميركية في انتزاع اتفاق مرحلي يقضي بتوسيع المناطق التجريبية، ولو بشكل تدريجي ومحدود، للحؤول دون انهيار الاتفاق الإطاري بالكامل. وفي انتظار وضوح نتائج اللقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، ومدى قُدرة هذا الأخير على التهرّب من الضغوط الممارسة عليه، من غير المُستبعد أن تعمد واشنطن إلى تأجيل البحث في الملفات المُعقدة وإلى ترحيل القضايا الكبرى، مثل تفاصيل نزع السلاح الكامل ومستقبل القرار الميداني، إلى جولات تفاوض لاحقة. وبالتالي، إنّ أقصى ما يمكن أن يحصل في المرحلة الراهنة، يتمثّل بأن تمارس أميركا الضغط على إسرائيل لتنفيذ انسحاب محدود من بلدة جديدة، لكن يجب الأخذ في الاعتبار أنّ الهم الأميركي يتركّز حاليًا على إيران، لأن الصراع بين واشنطن و طهران لم ينته بعد، ولأن إسرائيل هي الحليف العسكري القوي الذي قد تطلب منه الإدارة الأميركية في أي وقت في المستقبل القريب الدخول في المعركة إلى جانبها مجدّدا.

أمّا في حال عدم ممارسة الإدارة الأميركية الضغوط الكافية لدفع الاتفاق قُدُمًا، أي عمليًا للتوصّل إلى صيغة توافقية تقضي بتوسيع نطاق انتشار الجيش اللبناني في مناطق نموذجية جديدة تحت إشراف لجان التنسيق العسكرية المشتركة، سيتحصّن كل فريق خلف شروطه؛ حيث سيُصرّ لبنان على الخروج بجدولة واضحة للانسحاب وعلى وقف الانتهاكات الإسرائيلية، في حين ستُصرّ إسرائيل على ربط خطواتها بنزع سلاح حزب الله أوّلاً، الأمر الذي من شأنه أن يتسبّب بالدوران بحلقة مفرغة وبعدم إحداث خرق ميداني ملموس. والأخطر أنّ الجانب الإسرائيلي سيبدأ بمطالبة الجيش اللبناني بتنفيذ تدابير ملموسة لسحب السلاح، وهذا أمر غير وارد في ظلّ عدم تطبيق الإسرائيليّين ما هو مطلوب منهم من انسحاب من المناطق المحتلّة، ولو بشكل تدريجي، ووفق منطق الخطوة في مقابل الخطوة. وليس بسرّ أنّ "حزب الله" الذي يرى أصلًا أن "اتفاق الإطار" قد "وُلد ميتًا"، يرفض أي بحث في مصير سلاحه طالما الاحتلال موجود، وسيواجه بحزم أي محاولة لسحب هذا السلاح والتضييق على مقاتليه.

في الخلاصة، الطريق أمام تحرير الجنوب ما زال طويلًا وشائكًا، والمُشكلة أنّ الصراع الإقليمي المُحتدم بين واشنطن وطهران وحلفائهما، انعكس سلبًا على القضية اللبنانية التي تُشكّل تفصيلًا صغيرًا ضمن خريطة كبرى يجري تجميعها. ولذلك، فإنّ نتائج اجتماع روما لن تُقاس بحجم الاختراقات التي قد يحققها، بل بقدرته على منع انهيار المسار التفاوضي والإبقاء على نافذة سياسية مفتوحة، ريثما تنضج الظروف الإقليمية والدولية لتسويات أوسع قد تُعيد وضع الملف اللبناني في صدارة الأولويات.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا