آخر الأخبار

الرحلات المباشرة إلى أميركا الشمالية... أمن المطار أولًا

شارك
لا شكّ في أن إعادة تسيير الرحلات الجوية المباشرة بين بيروت ومدن أميركا الشمالية لن تكون مجرد خطوة في قطاع النقل، بل ستشكل مؤشراً إلى استعادة لبنان جزءاً من ثقة المجتمع الدولي بمؤسساته، ولا سيما الأمنية منها. إلا أن هذه العودة، إذا كُتب لها أن تتحقق، لن تأتي بقرار سياسي منفرد، بل بعد استيفاء مجموعة من المعايير التي تعتمدها السلطات الأميركية في تقييم أمن الطيران المدني.
في مقدمة هذه المعايير، يأتي تعزيز أمن مطار رفيق الحريري الدولي. فالولايات المتحدة تولي أهمية كبيرة لآليات ضبط الدخول إلى المطار ، وتفتيش الركاب والأمتعة، وحماية المدارج والطائرات، ومنع أي تدخل غير رسمي في إدارة المرافق الحساسة. وأي تقييم إيجابي يفترض أن يثبت أن الإجراءات الأمنية تطبق وفق المعايير الدولية وبصورة مستقلة ومستدامة.
كما يُنتظر من لبنان تعزيز التعاون الأمني وتبادل المعلومات مع الجهات الأميركية المختصة، ولا سيما في ما يتعلق بأمن الطيران، ومكافحة الإرهاب، وكشف الوثائق المزورة، وتتبع الأشخاص أو الشحنات التي قد تشكل خطراً على سلامة الملاحة الجوية.
ويبرز أيضاً تطوير البنية التقنية للمطار، من خلال تحديث أنظمة المراقبة والكشف، ورفع مستوى التدريب المستمر للعاملين في الأمن والطيران المدني، بما يتوافق مع متطلبات منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) والمعايير التي تعتمدها إدارة أمن النقل الأميركية (TSA).
ولا يقل أهمية عن ذلك تعزيز الحوكمة داخل قطاع الطيران، عبر ضمان استقلالية الإدارة، وتطبيق القوانين والأنظمة من دون استثناءات، بما يعزز ثقة شركات الطيران والجهات الرقابية الدولية.
أما على المستوى السياسي، فإن استمرار الاستقرار الأمني في محيط مطار بيروت وفي البلاد عموماً سيبقى عاملاً أساسياً في أي قرار أميركي أو قرار تتخذه شركات الطيران. فالشركات تنظر إلى المخاطر التشغيلية، وكلفة التأمين، واستمرارية الخدمة، قبل أن تقرر فتح أي خط جديد أو إعادة تشغيل خط سابق.
وفي حال نجح لبنان في استيفاء هذه المتطلبات، فإن المكاسب لن تقتصر على تسهيل سفر أبناء الجالية اللبنانية الكبيرة في الولايات المتحدة وكندا، بل ستشمل تنشيط السياحة، وتسهيل حركة رجال الأعمال، وزيادة فرص الاستثمار، وإرسال رسالة ثقة إلى الأسواق الدولية بأن لبنان يستعيد تدريجياً موقعه على خريطة النقل الجوي العالمي.
لذلك، فإن استعادة الرحلات المباشرة ليست مجرد ملف طيران، بل اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على إقناع شركائها الدوليين بأن مؤسساتها قادرة على توفير أعلى معايير الأمن والكفاءة، وأن مطارها الدولي يعمل وفق قواعد مهنية تتوافق مع أفضل الممارسات العالمية.
فإذا نجح لبنان في استعادة الرحلات الجوية المباشرة مع الولايات المتحدة، أو توسعت حركة الطيران مع أميركا الشمالية، فإن ذلك قد يعيد إلى الواجهة مشروع تشغيل مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات، ليس بوصفه مطلبًا إنمائيًا لشمال لبنان فحسب، بل كجزء من رؤية وطنية لتطوير البنية التحتية لقطاع الطيران.
فمطار رفيق الحريري الدولي، على رغم التحديثات التي شهدها، يبقى المطار التجاري الوحيد في لبنان، فيما تُظهر التجارب العالمية أن الدول التي تسعى إلى تنمية حركة النقل الجوي تعتمد أكثر من مطار دولي لتوزيع الحركة، وتخفيف الضغط التشغيلي، وتعزيز القدرة على استيعاب النمو المستقبلي.
وترى أوساط متابعة أن أي مؤشر دولي على تنامي الثقة بقطاع الطيران اللبناني، سواء عبر استئناف الرحلات المباشرة مع أميركا أو زيادة عدد الشركات الأجنبية العاملة في بيروت، سيمنح مؤيدي مشروع القليعات حجة إضافية للمطالبة بالإسراع في تنفيذه، باعتباره استثمارًا استراتيجيًا لا مشروعًا مناطقيًا.
لكن، في المقابل، فإن تحويل القليعات إلى مطار دولي عامل يحتاج إلى أكثر من قرار سياسي. فهو يتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية، وتجهيزات ملاحية وأمنية متطورة، وربطه بشبكات النقل البرية، إضافة إلى وضع نموذج تشغيلي يضمن جدواه الاقتصادية وقدرته على استقطاب شركات الطيران.
كما أن أي مطار جديد سيخضع، بدوره، لمعايير أمنية دولية صارمة إذا كان سيستقبل رحلات من أميركا الشمالية أو أوروبا ، ما يعني أن نجاح لبنان في تلبية هذه المعايير في مطار بيروت قد يشكل خبرة يمكن الاستفادة منها لاحقًا في القليعات.
ويرى خبراء في قطاع الطيران أن تشغيل مطار القليعات لا ينبغي أن يكون بديلاً عن مطار بيروت، بل مكملاً له، ضمن خطة وطنية متكاملة، توزع الحركة الجوية، وتخدم شمال لبنان، وتؤمن قدرة أكبر على مواجهة أي طارئ أو زيادة في أعداد المسافرين.
لذلك، فإن استعادة الرحلات المباشرة مع أميركا، إذا تحققت، قد لا تكون السبب المباشر لإطلاق مشروع مطار القليعات، لكنها قد تشكل أحد العوامل التي تعزز القناعة بضرورة الإسراع في تنويع البنية التحتية للمطارات اللبنانية، استعدادًا لمرحلة يأمل لبنان أن يستعيد فيها دوره كمركز إقليمي للنقل والخدمات.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا