آخر الأخبار

حين يصبح الماضي مهنةً سياسيّة

شارك
لقاء ترامب وعون في واشنطن لم يكن مجرّد حدث دبلوماسيّ؛ فالعالم يناقش مستقبل لبنان، فيما لا يزال جزءٌ من الداخل يناقش ماضيه.

ليست أخطر الأزمات التي تصيب الأمم تلك التي تنشأ من نقص الموارد أو اختلال موازين القوى، بل تلك التي تتولّد عندما تعجز عن إدراك أنّ الزمن قد تغيّر. فالتاريخ لا يعاقب الشعوب لأنّها أخطأت، بل لأنّها تصرّ على قراءة الحاضر بأدوات الماضي.
ويبدو أنّ لبنان يقف اليوم أمام هذا الامتحان بالذات.
فالشرق الأوسط الذي عرفناه طوال نصف قرن يعيد تشكيل نفسه أمام أعيننا. ليس لأنّ الصراعات انتهت، ولا لأنّ المصالح ألغت التناقضات، فهي لا تزال في ذروتها، بل لأنّ منطق السياسة نفسه تبدّل. تراجعت الخطابات المؤثّرة خطوةً إلى الوراء، فيما تقدّمت المصالح الوطنيّة خطوتين إلى الأمام. ولم يعد السؤال الذي يشغل العواصم المؤثّرة هو من يملك الطرح الأكثر صخباً، بل من يبني الدولة الأكثر قدرة على إنتاج الاستقرار ومن ثمّ الازدهار.
إيران، رغم الغموض الذي يحيط بمراكز القرار فيها، تعيد حساباتها تحت ضغط الوقائع. ودول الخليج أعادت تعريف موقعها، فلم تعد ترى المكانة والثقل من زاوية الثروة وحدها، بل جعلت الاقتصاد والابتكار ركيزتين في مشروعها السياسيّ الجديد. وسوريا، التي شكّلت طويلًا محوراً في خرائط النفوذ، تبحث اليوم عن موقع جديد في محيطها العربيّ، بعدما تغيّر الزمن وتبدّلت قواعد اللعبة. وإسرائيل، بعد سنوات من المواجهات، تسعى إلى تثبيت ترتيبات أمنيّة طويلة الأمد، وربّما رغماً عنها. أمّا الولايات المتّحدة، في ظلّ الإدارة الحاليّة، فأصبحت أكثر ميلًا إلى مقاربة المنطقة بمنطق النتائج والمصالح، لا بمنطق الاصطفافات التقليديّة.
لقد انقلب تعريف القوّة.
لم تعد الدولة القادرة هي التي ترفع الشعارات الأعلى، بل التي تبني المؤسّسات الأكثر كفاءة، وتجذب الاستثمار، وتصنع الثقة، وتؤمّن الاستقرار. ولم يعد النفوذ يُقاس فقط بما تختزنه الترسانات، بل أيضاً بما تنتجه الجامعات، وما يوفّره الاقتصاد، وما يضمنه القانون، وما تمنحه الدولة لمواطنيها من شعور بالأمان واليقين.
في قلب هذه التحوّلات، برز اللقاء التاريخيّ والإيجابيّ جدّاً في واشنطن بين الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب والرئيس اللبنانيّ جوزاف عون بوصفه انعكاساً لطبيعة المرحلة الجديدة. فواشنطن لم تستقبل لبنان لإعادة مناقشة سرديّات الأمس، بل لتعرض، بزخم وفعاليّة، رؤيتها لكيفيّة مساندة هذا الوطن، ولتطرح أسئلة الغد: كيف يستعيد قراره؟ كيف يعيد بناء مؤسّساته؟ كيف يثبت احتكار الدولة لسلطتها؟ وكيف ينتقل من ساحةٍ تتقاطع فوقها مصالح الآخرين إلى شريكٍ قادرٍ على صناعة مصلحته؟
وهذا بالفعل ما تمّ عرضه في اللقاء المغلق بين الجانبين، وهو في الوقت عينه الامتحان الذي يواجهه لبنان؛ فعلى الرغم من أنّ جزءاً من طبقته السياسيّة، ومن دون تعميم، لا يزال يستدعي المفردات ذاتها، وكأنّ الزمن توقّف عند محطّات مضت، ويستخدم لغة لم يعد العالم يتحدّث بها، فإنّ ذلك لا يعود إلى كون اللبنانيين أسرى الماضي بطبيعتهم، بل لأنّ النظام السياسيّ وجد، في مراحل كثيرة، في الذاكرة مصدراً دائماً لشرعيّته.
فالخطابات التعبويّة لا تموت عندما تُهزم، بل عندما تفقد قدرتها على تفسير الواقع. غير أنّ المشكلة أنّ كثيراً من الأفكار القديمة لا تُترك لتستنفد دورتها التاريخيّة، بل يُعاد بعثها كلّما اقتربت من الذبول؛ فتُستخرج من الذاكرة، ويُعاد إحياء دور جديد لها، كأنّها لا تزال قادرة على الإجابة عن أسئلة الحاضر، لا لأنّ الوطن يحتاج إليها، بل لأنّ كثيرين لا يستطيعون ممارسة السياسة بما راكمته من شبكات ومكتسبات ومصالح... خارجها.
لقد نشأت عناوين كثيرة دفاعاً عن قضايا حقيقيّة ومخاوف فعليّة، غير أنّ الزمن أعاد تشكيلها فيما بقيت بعض الخطابات أسيرة مراحل تاريخيّة سابقة؛ فتحوّلت من وسيلة لفهم المعطى إلى أداة لإدارته ولحماية مواقع نفوذ سياسيّة قائمة. وهنا تكمن المعضلة.
فالسياسيّ الذي تستمدّ زعامته مشروعيّتها من رواية كبرى، يصعب عليه أن يسمح لها بأن تتحوّل إلى تاريخ. لأنّ نهايتها لا تعني فقط أفول فكرة، بل زوال وظيفة سياسيّة أيضاً. وهكذا يصبح الماضي مورداً للسلطة، والخوف أداة للاستمرار، والذاكرة وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام.
لذلك، كلّما اقترب اللبنانيون من بناء الدولة، عادت معارك الهويّة إلى الواجهة. وكلّما طُرحت أسئلة الإصلاح، فُتحت دفاتر الحروب. وكلّما حضرت لغة الاقتصاد، ارتفعت لغة الاصطفافات.
إنّها حلقة مغلقة، لا يعيش فيها الماضي داخل الحاضر، بل يحكمه.
لكنّ المنطقة لم تعد تنتظر أحداً.
فملفّات لبنان التي نوقشت في واشنطن، من تثبيت الاستقرار في الجنوب، إلى استكمال الانسحاب الإسرائيليّ، وحصرية السلاح بيد الدولة، ودعم الجيش، وإعادة بناء الاقتصاد، واستعادة ثقة العالم، ليست قضايا منفصلة، بل أجزاء من مشروع واحد يتجسّد في إعادة تأسيس الدولة اللبنانيّة على قاعدة أنّ الشرعيّة لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تنجزه لمواطنيها.
من هنا، ينبغي قراءة لقاء واشنطن، وسائر التحرّكات الدوليّة والإقليميّة، باعتبارها اختباراً لقدرة لبنان على الانتقال من مرحلة الدفاع عمّا مضى إلى مرحلة بناء المستقبل.
إنّ الأمم لا تُهزم حين تخسر حرباً، بل حين تعجز عن إدراك أنّ الحرب التي صنعت وعيها قد انتهت، وأنّ المستقبل لا يُبنى بالانتصار لزمن غابر، بل بالقدرة على تجاوزه.
ولبنان اليوم لا يحتاج إلى مقاربة جديدة تُقصي أخرى، بل إلى فكرة أبسط وأصعب. أن تصبح الدولة المرجعيّة الجامعة الوحيدة، وأن يصبح الإنسان غايتها الأولى، وأن يغدو المستقبل معيار الحكم على السياسات، لا الماضي.
في واشنطن، كان النقاش يدور حول ما ينبغي أن يكون عليه لبنان، فيما لا يزال جزءٌ من النقاش الداخليّ يدور حول ما كان عليه لبنان. وبين هذين الزمنين يبقى البلد معلّقاً؛ فحين يتحوّل الماضي إلى مهنةٍ سياسيّة، يغدو المستقبل أوّل ضحاياها.
MTV المصدر: MTV
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا