يشهد
لبنان نقاشاً سياسيا قانونياً وحقوقياً واسعاً منذ الاطاحة باقتراح إلغاء عقوبة الإعدام بعد تطيير نصاب جلسة مجلس النواب الاخيرة.
ورغم أن تنفيذ أحكام الإعدام متوقف عملياً منذ أكثر من عشرين عاماً، فإن مجرد إلغاء العقوبة من التشريعات يفتح باباً واسعاً للنقاش حول مفهوم العدالة وحدود الردع، في بلد يواجه تحديات أمنية معقدة وارتفاعاً في الجرائم الخطيرة.
عقوبة موجودة... لكنها معلقة
يتضمن قانون
العقوبات اللبناني عشرات المواد التي تجيز الحكم بالإعدام في جرائم القتل العمد المقترن بظروف مشددة، والإرهاب، والتجسس، وبعض الجرائم العسكرية.
لكن منذ عام 2004، امتنعت الحكومات المتعاقبة عن توقيع مراسيم تنفيذ أحكام الإعدام، ما جعل لبنان في عداد الدول التي تعتمد وقفاً فعلياً للتنفيذ، من دون إلغاء العقوبة قانونياً.
ويرى مؤيدو المشروع أن هذه الازدواجية القانونية لم تعد مبررة، وأن التشريع يجب أن يعكس الواقع القضائي، فيما يعتبر المعارضون أن الاحتفاظ بالعقوبة يشكل ورقة ردع حتى وإن لم تُنفذ.
لماذا يطالب المؤيدون بالإلغاء؟
ينطلق المدافعون عن المشروع من اعتبارات قانونية وحقوقية عدة، أولها أن الحق في الحياة هو الحق الأساسي الذي تنطلق منه كل الحقوق الأخرى، وبالتالي لا يجوز للدولة أن تسلبه حتى بحق مرتكبي أخطر الجرائم.
كما يشير الحقوقيون إلى أن العدالة ليست معصومة من الخطأ، وأن التاريخ القضائي في مختلف دول العالم شهد أحكام إعدام نُفذت بحق أشخاص ثبتت براءتهم لاحقاً، وهو خطأ لا يمكن إصلاحه بعد تنفيذ الحكم.
ويضيف مؤيدو المشروع أن السجن المؤبد يحقق هدف حماية المجتمع، ويمنع الجاني من العودة إلى ارتكاب الجريمة، من دون اللجوء إلى إنهاء حياته.
ويؤكد هؤلاء أيضاً أن إلغاء الإعدام يعزز التعاون القضائي الدولي، إذ تمتنع دول أوروبية كثيرة عن تسليم مطلوبين إلى دول قد يواجهون فيها عقوبة الإعدام، وهو ما ينعكس على ملفات استرداد الفارين من العدالة.
حجج الرافضين... الردع أولاً
في المقابل، يرى معارضو المشروع أن توقيته غير مناسب في ظل الأوضاع الأمنية التي يمر بها لبنان.
ويعتبر هؤلاء أن الجرائم الإرهابية وجرائم القتل الجماعي والخطف والاعتداء على العسكريين تستوجب الإبقاء على أقصى العقوبات، حفاظاً على هيبة الدولة وتعزيزاً للردع العام.
كما يطرحون سؤالاً أخلاقياً يتعلق بحقوق الضحايا، معتبرين أن التركيز على حقوق الجاني يجب ألا يأتي على حساب العدالة التي ينتظرها ذوو الضحايا.
ويذهب بعض القانونيين إلى القول إن مجرد وجود عقوبة الإعدام في النصوص القانونية يشكل عامل ردع نفسياً، حتى لو كان تنفيذها نادراً.
هل الإعدام أكثر ردعاً؟
تُعد هذه النقطة محور الخلاف الأساسي بين الفريقين. فحتى اليوم، لم تتوصل الدراسات الدولية إلى إجماع علمي يؤكد أن عقوبة الإعدام تحقق معدلات ردع أعلى من السجن المؤبد، بينما تشير أبحاث عديدة إلى أن انخفاض معدلات الجريمة يرتبط أكثر بكفاءة
الأجهزة الأمنية ، وسرعة كشف الجرائم، وعدالة المحاكمات، وليس بقسوة العقوبة وحدها.
ويرى خبراء في علم الجريمة أن المجرم غالباً لا يفكر بنوع العقوبة عند ارتكاب الجريمة بقدر ما يفكر في احتمال الإفلات منها.
تحديات عملية
في حال إقرار القانون، اذا عقدت جلسة تشريعية اخرى، ستبرز تحديات لا تقل أهمية عن الجدل القانوني.فالسجون
اللبنانية تعاني اكتظاظاً شديداً ونقصاً في التمويل، ما يعني أن زيادة عدد المحكومين بالمؤبد ستفرض أعباء مالية وإدارية إضافية على الدولة.
كما يطالب مختصون بإقرار إصلاحات موازية تشمل تحديث السجون، وتعزيز برامج إعادة التأهيل، وضمان تنفيذ الأحكام المؤبدة بصورة صارمة.
أين يقف لبنان مقارنة بالعالم؟
يشهد العالم اتجاهاً متزايداً نحو إلغاء عقوبة الإعدام، إذ ألغتها أكثر من ثلثي دول العالم قانوناً أو ممارسة، بينما لا تزال دول عدة، بينها دول عربية، تطبقها في جرائم محددة، لا سيما الإرهاب والقتل العمد وجرائم المخدرات في بعض الأنظمة القانونية.
أما لبنان، فيقف في منطقة وسطى؛ فهو لم ينفذ أي حكم منذ عام 2004، لكنه لم يحسم خياره التشريعي حتى الآن.
بين العدالة والرحمة
لا يقتصر
النقاش على الجانب القانوني، بل يمتد إلى البعد الفلسفي. فهل وظيفة العقوبة هي الانتقام من الجاني أم حماية المجتمع؟ وهل يمكن تحقيق العدالة من دون إنهاء حياة الإنسان؟ أم أن بعض الجرائم تستوجب عقوبة استثنائية بحجم فظاعتها؟
هذه الأسئلة سترافق النقاش النيابي المرتقب، لأن القرار لن يكون مجرد تعديل قانوني، بل سيحدد فلسفة السياسة الجزائية في لبنان لعقود مقبلة.
وفي النهاية، سواء أُقر الغاء عقوبة الاعدام أو بقيت في النصوص، فإن المعيار الحقيقي لنجاح العدالة يبقى في قدرة
الدولة على كشف الجرائم بسرعة، وضمان محاكمات عادلة، وتنفيذ الأحكام بفاعلية، لأن يقين العقوبة يبقى، في نظر معظم خبراء القانون، أكثر تأثيراً من شدتها.